بين السياسة والتاريخ، وبين الواقعية الجيوسياسية والذاكرة الدبلوماسية، تنسج بكين والرباط خيوط تفاهم يتجاوز منطق اللحظة إلى منطق المصالح العميقة. ففي الوقت الذي تقترب فيه قضية الصحراء المغربية من مفترق حاسم داخل مجلس الأمن، حيث يُتوقّع التصويت على مخرجات جديدة قد تُعيد رسم مسار هذا النزاع، أطلقت وسائل إعلام صينية إشارة رمزية لكنها مشحونة بالرسائل: استذكار خطاب الحسن الثاني سنة 1960 من على منبر الأمم المتحدة، دفاعاً عن حق الصين الشعبية في التمثيل الدولي.
قد يبدو هذا الإجراء للوهلة الأولى تحية دبلوماسية، لكنه في عمقه تمهيد محكم لموقف صيني داعم للمغرب. إن إعادة إحياء هذا الخطاب في هذا التوقيت بالذات لا يمكن قراءته خارج سياق التهيئة السياسية لقرار محتمل سيحمل ثقلاً استراتيجياً داخل مجلس الأمن، خاصة إذا صدر عن عضو دائم مثل الصين، التي لطالما مارست سياسة تحفظ في هذا الملف المعقد.
إن دعوة الحسن الثاني، آنذاك أميراً، إلى إدماج الصين ضمن الأمم المتحدة، لم تكن مجرد مبادرة دبلوماسية رمزية، بل كانت رهاناً مبكراً على صعود الصين كقوة دولية فاعلة. وهو موقف لم تنسَه بكين، التي تدرك اليوم أن اللحظة مناسبة لترجمة هذا الامتنان التاريخي إلى موقف سياسي واضح من نزاع إقليمي طال أمده.
لكن وراء هذا البُعد العاطفي، تقف حقائق استراتيجية أكثر رسوخاً: الصين تستثمر بثبات في إفريقيا، وتنسج شراكات طويلة الأمد في البنية التحتية، الأمن الغذائي، والموانئ الحيوية، ومن بينها المغرب الذي بات يشكل بوابة موثوقة للأسواق الإفريقية والأوروبية معاً. ودعم وحدة أراضيه لم يعد فقط مجاملة سياسية، بل ضرورة جيواستراتيجية لضمان الاستقرار والاستثمار المستدام في منطقة شمال غرب إفريقيا.
ولأن الصين لا تتحرك من فراغ، فإن التوقيت الذي اختارته لتفعيل ذاكرة خطاب 1960 يكشف عن إدراكها بأن النزاع حول الصحراء لم يعد فقط قضية مغربية، بل بات ملفاً يُختبر فيه منطق السيادة، ومفهوم التنمية، وحدود الهيمنة الغربية القديمة. وفي هذا الإطار، فإن أي دعم صيني للمقترح المغربي القائم على الحكم الذاتي سيكون رسالة موجهة بذكاء إلى واشنطن وباريس وموسكو: مفادها أن الصين ليست فقط قوة اقتصادية صاعدة، بل فاعل سياسي قادر على التأثير في التوازنات الدولية.
وفي النهاية، تبقى دبلوماسية الذاكرة إحدى أذكى أدوات المغرب في معاركه الدولية. لكن ذكاء بكين يتمثل في التقاط الإشارات التاريخية وتحويلها إلى أوراق تفاوض فعّالة. ومن هنا، فإن تصويت الصين لصالح مغربية الصحراء — إن حصل — لن يكون هبة، بل استثماراً واعياً في شريك مستقر، وحليف استراتيجي أثبت التزامه منذ عقود.