الحسين اولودي / عضو المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية
تشهد النقاشات السياسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة تطوراً لافتاً بخصوص طبيعة التهديدات الأمنية المرتبطة بنزاع الصحراء المغربية، وذلك على خلفية المبادرة التشريعية التي تقدم بها السيناتور الأمريكي Ted Cruz رفقة عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، والرامية إلى الدفع نحو تصنيف جبهة البوليساريو تنظيماً إرهابياً. وتعكس هذه المبادرة، في جوهرها، تحوّلا تدريجيا في إدراك بعض دوائر صنع القرار داخل المؤسسات الأمريكية لطبيعة الدور الذي باتت تلعبه هذه الميليشيات في منطقةالساحلوالصحراءالكبرى، حيث لم يعد النظر إليها مقتصراً على كونها طرفاً في نزاع سياسي إقليمي، بل أصبح يُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها فاعلاً مسلحاً غير نظامي قد يساهم في تعميق هشاشة البيئة الأمنية في منطقة تعاني أصلاً من تصاعد تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة.
لقد أظهرت المعطيات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة أن أنشطة جبهة البوليساريو لم تعد تقتصر على الخطاب السياسي أو التحركات الدبلوماسية، بل أخذت في كثير من الأحيان طابعاً ميليشياوياً يعتمد على أساليب الضغط المسلح واستهداف الممرات الحيوية والبنيات التحتية، فضلاً عن مؤشرات متزايدة على تداخل شبكاتها مع اقتصاد التهريب والجريمة المنظمة المنتشرة في الساحل والصحراءالكبرى.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها منطقة الساحل، حيث يشكل انتشار الجماعات المتطرفة وتنامي شبكات الاتجار غير المشروع بالسلاح والبشر والمخدرات عاملاً مضاعفاً لعدم الاستقرار. وفي هذا السياق، تبرز المخاوف المرتبطة بالتقارير التي تشير إلى حصول هذه الميليشيات على وسائل عسكرية متطورة، من بينها طائرات مسيّرة ذات منشأ إيراني، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام أنماط جديدة من التهديدات غير المتكافئة ويزيد من تعقيد التوازنات الأمنية في المنطقة.
ومن منظور جيوسياسي، فإن المبادرة الرامية إلى تصنيف جبهة البوليساريو تنظيماً إرهابياً قد تشكل نقطة تحول نوعية في مقاربة المجتمع الدولي لهذا النزاع. فمثل هذا التصنيف لا يقتصر على البعد الرمزي أو السياسي، بل يترتب عنه تفعيل مجموعة من الآليات القانونية والمالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، من قبيل تجميد الأصول وملاحقة شبكات التمويل والدعم وفرض قيود على تحركات الأفراد والكيانات المرتبطة بهذه الميليشيات. كما أن إدراج هذا الملف ضمن المقاربة الدولية لمكافحة الإرهاب من شأنه أن يعيد تأطير النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية ضمن سياق أمني واستراتيجي أوسع، يأخذ بعين الاعتبار الترابط المتزايد بين النزاعات الإقليمية والتهديدات الإرهابية في المجال الساحل والصحراء .
إن التحولات المتسارعة التي يعرفها المحيط الجيوسياسي لشمال وغرب إفريقيا تفرض على المجتمع الدولي تبني مقاربات أكثر واقعية وشمولية في التعامل مع مصادر عدم الاستقرار. وفي هذا الإطار، قد يساهم النقاش الدائر داخل المؤسسات الأمريكية في فتح أفق جديد لفهم طبيعة التحديات المرتبطة بالميليشيات المسلحة غير النظامية في المنطقة، كما قد يدفع نحو تعزيز التنسيق الدولي في مجال مكافحة الإرهاب وتجفيف منابع التمويل والدعم التي تستفيد منها هذه التنظيمات.
ومن شأن مثل هذه الخطوات أن تدعم الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويعزز فرص التنمية والتعاون في فضاء جيوسياسي يكتسي أهمية استراتيجية متزايدة على الصعيد الدولي.