بقلم الدكتور ياسين أمناي: باحث في علم النفس الاجتماعي
بعد صافرة النهاية، لا تتوقف المعركة عند العشب الأخضر. على فيسبوك، تويتر، وفي مجموعات الواتساب، تُعاد صناعة الهزيمة: تفسيرها، ربطها بالتحكيم، بالسحر، أو بالعالم المعادي. كرة القدم لم تعد مجرد لعبة؛ بل أصبحت مرآة للوعي الجماعي المغربي، فضاءً لاختبار الهوية وصياغة سردية الهزيمة التي نرفض الاعتراف بها. كل مباراة خسرت تطرح السؤال نفسه: هل فشلنا في الملعب، أم في تفسيرنا له؟كلما تعرّض المنتخب المغربي لهزيمة مفاجئة، يتردد خطاب تفسيري يتجاوز الرياضة ليصل إلى معنى الهوية والمكانة والاعتراف. في هذا السياق، تُستدعى مقولة عبد الله العروي “إن المغرب جزيرة”، لا بوصفها توصيفًا تاريخيًا، بل كخلاصة نفسية جاهزة لتخفيف وقع الخسارة وشرحها. وفهم هذا الاستدعاء يستدعي النظر إلى ديناميات الهوية الاجتماعية وآليات تفسير الهزيمة في الوعي الجمعي المغربي.
وفق نظرية الهوية الاجتماعية، لا يُنظر إلى المنتخب كفريق منفصل عن المجتمع، بل كامتداد رمزي للذات الجماعية. الفوز يُعاش كتأكيد للجدارة، بينما تُختبر الهزيمة كتهديد مباشر لصورة “نحن”. كلما ارتفعت التوقعات، تحولت كرة القدم إلى مسرح مكثف للانفعالات، وتصبح الخسارة حدثًا يتجاوز الحسابات التقنية إلى أسئلة أوسع عن المكانة والاعتراف.
أمام هذا التهديد، تنشط آليات تفسير الهزيمة كاستجابة نفسية-اجتماعية لحماية الهوية الجماعية. بدلاً من تحليل الأداء أو الأخطاء التكتيكية، يميل الخطاب الشعبي إلى البحث عن أسباب خارجية: تحكيم منحاز، إعلام معادٍ، استهداف المنتخب، أو أن العالم لا يريد للمغرب أن ينتصر. في هذا الإطار، تتحول فكرة “المغرب جزيرة” إلى تفسير شامل، يبرر الخسارة باعتبارها نتيجة عزلة مفروضة وعداء خارجي، لا خطأ يمكن مناقشته وتصحيحه.
ومن بين أكثر التفسيرات شيوعًا، يظهر اللجوء إلى السحر. بعد أي إخفاق مفاجئ، يُنسب الفشل أحيانًا إلى أعمال سحرية أو “عين” أو قوى خفية عطّلت اللاعبين وسلبتهم تركيزهم. هذا التفسير، رغم أنه غير علمي، يؤدي وظيفة واضحة: نقل سبب الهزيمة من السيطرة الإنسانية إلى المجال الغامض، وتخفيف شعور الجماعة بالعجز أو التقصير. عندها لا يُصبح الأداء مسؤولًا، ولا تُقرأ الهزيمة كدليل على ضعف، بل كنتيجة لتدخل خارجي غير مرئي.
في ضوء الهوية الاجتماعية، يُفهم هذا الميل كآلية قصوى لحماية صورة الجماعة. الاعتراف بتفوق الخصم أو خطأ الخيارات قد يُفسر كمساس بالقيمة الوطنية، بينما يوفر السحر تفسيرًا يحافظ على التفوق الرمزي للجماعة حتى في الهزيمة. وهكذا تصبح كرة القدم مساحة تتعايش فيها التفسيرات العقلانية مع الأسطورية، ليس لأنها صحيحة، بل لأنها مريحة نفسيًا في لحظات الصدمة.
لكن تراكم هذه الآليات، من خطاب العزلة إلى استدعاء السحر، يحمل آثارًا سلبية على الوعي الجمعي. فهو يرسّخ نزعة الضحية، يُضعف ثقافة النقد الذاتي، ويحوّل كل نقاش تقني إلى معركة هوياتية. كما أنه يُعيد إنتاج صورة عالم معادٍ ومغلق، في تناقض صارخ مع واقع كرة القدم، الذي جعل المغرب حاضرًا ومعترفًا به عالميًا، عبر مشاركاته الدولية ولاعبيه المنتشرين في كبريات الدوريات.
قراءة الهزيمة من زاوية الهوية المجروحة بدل المنافسة الرياضية تكشف هشاشة العلاقة بين الرياضة وتقدير الذات الجماعية. المجتمعات الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى تفسير غيبي أو سردية عزلة لتفهم الخسارة، لأنها لا ترى المباراة اختبارًا لوجودها أو الإقصاء حكمًا على قيمتها الحضارية. أما تحويل كرة القدم إلى ساحة لتصفية القلق الهوياتي، فيجعل كل هزيمة أزمة معنى، وكل إخفاق دليلًا على “جزيرية” متخيلة.
في النهاية، لا تكشف كرة القدم المغربية عن كون المغرب جزيرة، بل عن حاجتنا لإعادة النظر في كيفية تفسير الهزيمة. الخطر ليس في الخسارة نفسها، بل في آليات تفسيرها. بين التحكيم، والعالم المعادي، والسحر، تضيع فرصة التعلم والنضج. التحدي الحقيقي هو الانتقال من تفسير دفاعي للهزيمة إلى وعي نقدي يرى الرياضة مجالًا للتطور لا مرآة للجرح، ويدرك أن المغرب، في كرة القدم كما في التاريخ، ليس معزولًا عن العالم إلا بالقدر الذي يختار فيه أن يرى نفسه من موقع الانكسار لا الثقة.