ما بعد الفيضان، هل نتعلم أم ننتظر الموجة القادمة !؟

لم تكن الفيضانات التي اجتاحت القصر الكبير وأقاليم القنيطرة والعرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان مجرد حادث طبيعي عابر، بل لحظة اختبار قاسية لكيفية إدارة المخاطر في مدن تعيش على تماس دائم مع هشاشة مناخية وعمرانية.

الحديث اليوم عن مؤشرات إيجابية لعودة السكان إلى القصر الكبير يبعث على الارتياح، لكنه لا يجب أن يتحول إلى ستار يخفي حجم الصدمة. عودة النسق الطبيعي للمرافق لا تعني أن الحياة استعادت توازنها بالكامل، فالماء حين يدخل البيوت لا يترك خلفه طينا فقط، بل يترك قلقا اجتماعيا وخسائر اقتصادية وشعورا عميقا بأن الأمان كان أضعف مما تصور الجميع. منازل تضررت، محلات تجارية توقفت، مدارس ومراكز صحية احتاجت إلى إصلاح، وأسر وجدت نفسها فجأة خارج فضائها اليومي، تنتظر إشارة العودة.

هنا يبرز السؤال الذي يتجنبه البعض، هل سيتم اعتبار هذه المدن مناطق منكوبة أم سيكتفى بخطاب التعافي التدريجي. إعلان منطقة منكوبة ليس تفصيلا إداريا، بل قرار سياسي يحمل دلالات ومسؤوليات. هو اعتراف بأن ما حدث يفوق القدرة العادية للجماعات المحلية، ويستدعي تعبئة استثنائية للموارد، وتعويضات واضحة للمتضررين، وإعفاءات ضريبية أو تسهيلات تخفف من وطأة الخسارة.

الفيضان لم يكن نتيجة مطر غزير فقط، بل نتيجة تداخل عوامل، من ضغط على السدود، إلى توسع عمراني في مناطق معرضة للخطر، إلى ضعف في البنية التحتية لتصريف المياه. حين يصل سد إلى 156 في المئة من سعته، فالمسألة تتجاوز عنصر المفاجأة، وتدخل في مجال ضرورة إعادة تقييم سياسات التدبير والوقاية.

إن إعلان هذه المدن مناطق منكوبة، إذا تم، يجب أن يكون بداية مسار يضع الإنسان في صلب السياسات، ويعترف بأن الأمن المائي والعمراني جزء من الأمن الاجتماعي. ومسار يقر بأن الوقاية أقل كلفة من التعويض، وأن الشفافية في تشخيص الخلل أقوى من الخطاب المطمئن المؤقت. 

وبين الطمأنينة الرسمية وقلق المواطنين مساحة ينبغي ملؤها بالفعل لا بالتصريحات، وبالقرارات الشجاعة لا بالمقاربات المترددة. الفيضانات كشفت الهشاشة، لكن الفرصة ما زالت قائمة لتحويل الأزمة إلى نقطة تحول، قبل أن يأتي الماء مرة أخرى، ويعيد طرح السؤال نفسه بصوت أعلى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

المركز المغربي للتطوع والمواطنة يشيد بجهود إجلاء ساكنة المناطق المهددة بالفيضانات

المنشور التالي

ويلسون يشيد بمساعي واشنطن لتعزيز التقارب بين المغرب والجزائر

المقالات ذات الصلة