لم تكن كأس إفريقيا للأمم 2025، كما جاء في ملف نشره الزملاء في العدد الأخير من أسبوعية تيلكيل، مجرد تظاهرة رياضية كبرى احتضنها المغرب، بل تحوّلت إلى مسرح مكشوف لصراع من نوع جديد: حرب غير مرئية تُدار بالأفكار، والصور، والسرديات، أكثر مما تُدار بالأهداف والنتائج. فالملف لا يناقش ما جرى في المستطيل الأخضر بقدر ما يحلّل ما دار في الفضاء الرقمي والإعلامي، حيث تداخل الرياضي بالسياسي، والوجداني بالاستراتيجي.
من المنافسة الرياضية إلى السردية الاتهامية
ينطلق التحليل من ملاحظة مركزية: تصاعد خطاب يتهم المغرب بـ«التحكم» و«التلاعب» في مجريات البطولة، سواء عبر التحكيم أو التنظيم أو حتى الضغط على المنافسين. هذا الخطاب، الذي بدأ على هامش النقاشات الجماهيرية في وسائل التواصل الاجتماعي، سرعان ما وجد طريقه إلى تصريحات مدربين ولاعبين ومسؤولين رياضيين، ما منحه ـ كما يشير الملف ـ نوعًا من الشرعية الرمزية.
اللافت هنا أن الاتهام لم يعد موجّهًا إلى قرارات تحكيمية أو لحظات لعب مثيرة للجدل، بل اتسع ليشمل الدولة ومؤسساتها، في انتقال واضح من نقد رياضي إلى تشكيك سياسي. وبهذا المعنى، تصبح كرة القدم مجرد ذريعة لإنتاج سردية أوسع تُقوّض صورة المغرب كدولة منظمة وفاعلة إقليميًا.

الكان كـ«سلاح معرفي»
يقدّم الملف مفهوم «الحرب المعرفية» أو «حرب التأثير» كإطار تفسيري لما جرى. فالأحداث الكبرى، مثل كأس إفريقيا، تشكّل بيئة مثالية لمثل هذه الحروب، لأنها تجمع بين ثلاثة عناصر حاسمة: جمهور واسع، شحنة عاطفية مرتفعة، وسرعة انتشار غير مسبوقة للمعلومة (أو الشائعة) عبر الخوارزميات.
في هذا السياق، لا يكون الهدف هو إثبات حقيقة رياضية، بل التأثير في الإدراك الجماعي: تحويل نجاح تنظيمي إلى موضع شبهة، وتقديم التفوق كدليل إدانة لا كإنجاز. إنها مفارقة «النجاح المُعاقَب»، حيث تصبح القدرة على التنظيم والتأثير سببًا في الاستهداف.
الكان ضمن سلسلة أزمات متتابعة
تضع تيلكيل ما جرى في البطولة ضمن سياق أوسع من «أزمات دورية» شهدها المغرب خلال الفترة الأخيرة: حملات رقمية حول الهجرة غير النظامية، هجمات سيبرانية، تسريبات معطيات شخصية، مقالات نقدية في صحافة دولية، وصولًا إلى توظيف احتجاجات اجتماعية حقيقية داخل سرديات عدائية. ووفق هذا الطرح، لا تبدو هذه الأحداث منفصلة، بل حلقات في استراتيجية إنهاك تدريجي، تقوم على استغلال الثغرات الواقعية وتحويلها إلى أدوات زعزعة.
هنا تبرز خطورة المزج بين الحقيقي والمُلفّق: فالحرب المعرفية لا تخترع الأزمات من العدم، بل تعيد تدويرها وتضخيمها وتوجيهها بما يخدم أهدافًا سياسية واستراتيجية.

ما بعد التشخيص: سؤال الردّ
لا يكتفي الملف بوصف الهجوم، بل يطرح ملامح ردّ ممكن. الردّ، بحسب التحليل، لا يمكن أن يكون تقنيًا أو أمنيًا فقط، بل يجب أن يكون سرديًا بالأساس: امتلاك رواية مضادة، سريعة، متماسكة، وقادرة على استباق حملات التضليل لا الاكتفاء بتفنيدها بعد انتشارها. كما يشدد على أهمية الاستثمار في الشباب، وتقوية الجبهة الاجتماعية، لأن الهشاشة الداخلية تظل المدخل الأيسر لأي اختراق خارجي.
خلاصة
يقدّم ملف تيلكيل قراءة تتجاوز الحدث الرياضي لتضع «كان 2025» في قلب تحولات أعمق تمس طبيعة الصراع في العصر الرقمي. فالحروب لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل بالمعنى والصورة والانطباع. وفي هذا السياق، تبدو المعركة الحقيقية ليست في عدد الأهداف المسجلة، بل في القدرة على حماية الشرعية الرمزية للدولة، وصون ثقة المواطن، وفرض سردية متماسكة في عالم باتت فيه الحقيقة نفسها محل تنازع.