عبد الهادي بلخياط… حين يترجل صوت مغربي استثنائي

برحيل الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط، يفقد المغرب أحد أبرز أعمدة الأغنية الوطنية، وصوتا شكل لعقود طويلة جزءا أصيلا من الوجدان الجماعي للمغاربة. لم يكن بلخياط مجرد مطرب، بل حالة فنية متكاملة، جمعت بين عمق الكلمة، ورصانة اللحن، وصدق الأداء، في زمن كانت فيه الأغنية تعبيرا عن الهوية والروح قبل أن تكون مجرد منتج فني.

ولد عبد الهادي بلخياط بمدينة فاس، المدينة التي تنفست فيها روحه الأولى عبق التراث والموسيقى الأندلسية، وهو ما انعكس لاحقا على اختياراته الفنية وعلى الحس الجمالي الذي ميز أعماله. منذ بداياته، بدا واضحا أن صوته الدافئ ونبرته المميزة يحملان مشروعا فنيا مختلفا، سرعان ما فرض نفسه بقوة على الساحة الغنائية المغربية.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لمع اسم بلخياط كأحد أبرز نجوم الأغنية المغربية العصرية، مقدما أعمالا خالدة ما تزال حاضرة إلى اليوم في ذاكرة الأجيال، وفي مقدمتها أغنية “يا بنت الناس”، التي تحولت إلى أيقونة فنية تجاوزت حدود الزمن. تميزت أغانيه بالكلمة الراقية واللحن المتزن، وبأداء صادق لا يعتمد على الاستعراض بقدر ما يخاطب الإحساس والعمق الإنساني.

لم يكن عبد الهادي بلخياط فنانا غزير الإنتاج بقدر ما كان دقيق الاختيار، يؤمن بأن القيمة الفنية لا تقاس بالكثرة، بل بالأثر والبقاء. لذلك ظل اسمه مرتبطا بالجودة والالتزام، وبأغنية تحترم ذوق المستمع وتراهن على الارتقاء بالوجدان العام.

وفي مرحلة متقدمة من مسيرته، اتخذ الراحل قرارا شخصيا لافتا، تمثل في الابتعاد عن الأضواء والتفرغ للأعمال ذات الطابع الديني، في خطوة عكست تحولا داخليا عميقا، واحتراما لمسار اختاره عن قناعة وهدوء، بعيدا عن ضجيج الشهرة. ورغم ابتعاده، ظل حضوره قويا في ذاكرة الجمهور، واستمر اسمه يذكر باعتزاز كلما استحضرت رموز الأغنية المغربية الأصيلة.

برحيل عبد الهادي بلخياط، لا تطوى صفحة فنية فحسب، بل يغلق فصل من فصول الزمن الجميل، زمن كانت فيه الأغنية المغربية تعبيرا عن الأصالة والرقي والصدق. وسيبقى صوته شاهدا على مرحلة مضيئة من تاريخ الفن المغربي، أما أعماله فستظل نبراسا للأجيال القادمة، ودليلا على أن الفن الحقيقي لا يشيخ ولا يموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

بين تواصل فعال وإخفاق مؤلم: إشادة بتدبير أزمة الفيضانات بالقصر الكبير مقابل استنكار لما وقع بباب الشعبة في آسفي

المنشور التالي

جمعية هيئات المحامين بالمغرب تواصل التصعيد

المقالات ذات الصلة