عاد النقاش حول طريقة تدبير أسعار المحروقات في المغرب إلى الواجهة، بعد تداول معطيات تفيد برفع محطات الوقود الأسعار قبل ساعات من موعد الزيادة المرتقبة، أو الامتناع عن بيع الوقود قبيل منتصف الليل بدعوى نفاد المخزون أو أعطال تقنية. هذه الممارسات أثارت تساؤلات لدى المستهلكين حول مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية داخل سوق يفترض أنه قائم على حرية الأسعار.
وفي هذا السياق، أوضح المحلل الاقتصادي محمد جدري، في تصريح خص به THE PRESS، أن النقطة الأساسية التي يجب التأكيد عليها هي أن سوق المحروقات في المغرب سوق حرة، وهو ما يعني أن كل شركة يمكنها بيع المحروقات بالسعر الذي تراه مناسبا، شريطة وجود منافسة حقيقية بين الفاعلين في القطاع.
غير أن هذا الشرط، بحسب جدري، لا يتحقق بالشكل الكافي في الواقع. فالسوق، كما يقول، شهدت سابقا اختلالات دفعت مجلس المنافسة إلى معاقبة عدد من شركات المحروقات بسبب ممارسات مرتبطة بتقييد المنافسة.
ويرى الخبير الاقتصادي، أن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستوى الأسعار، بل أيضا بطريقة وتوقيت تغييرها. فالمفروض في سوق حرة، يضيف جدري، أن تقوم كل شركة بتعديل أسعارها بناء على كلفة الشراء وشروط التخزين والتوزيع الخاصة بها، وليس وفق توقيت موحد يكاد يشمل جميع الفاعلين.
وفي هذا الإطار يطرح جدري تساؤلا أساسيا: لماذا يتم تغيير أسعار المحروقات في المغرب غالبا مع بداية ومنتصف كل شهر ميلادي، وكأن الأمر يتعلق بموعد شبه موحد بين الشركات؟ وهو ما يثير، بحسبه، علامات استفهام حول طبيعة المنافسة داخل هذا القطاع.
ومن جهة أخرى، ينتقد جدري بعض الممارسات التي قد تقع داخل محطات الوقود، خاصة عندما يتم الإعلان عن سعر معين على واجهة المحطة، ثم يتم الامتناع عن تقديم الخدمة قبل ساعات من موعد الزيادة المرتقبة، أحيانا بدعوى نفاد المخزون أو أعطال تقنية أو انقطاع الكهرباء.
ويؤكد أن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، تطرح إشكالا قانونيا وأخلاقيا، لأن المحطة التي تعلن سعرا معينا يفترض أن تبيع به فعليا للمستهلكين، وليس أن تمتنع عن الخدمة أو تغير السعر قبل الموعد المعلن.
كما يشدد على أن مثل هذه الحالات تستدعي حضورا أقوى لأجهزة المراقبة، خاصة عندما تكون الجهات المعنية على علم مسبق بموعد تغييرات الأسعار. وكان من الممكن، حسب رأيه، أن تنزل فرق المراقبة إلى عدد من المدن للتحقق من احترام محطات الوقود للأسعار المعلنة واستمرار تقديم الخدمة للمواطنين.
ويحذر جدري من أن غياب آليات المراقبة والرقابة الفعالة يجعل المواطن البسيط الضحية الأولى لمثل هذه الممارسات، إذ يجد نفسه أمام زيادات مفاجئة في أسعار المحروقات قد تصل إلى درهمين دفعة واحدة خلال لحظات.
وفي ظل هذه التطورات، يرى الخبير الاقتصادي أن حماية المستهلك وضمان شفافية السوق يتطلبان تعزيز آليات الرقابة، وتكريس منافسة حقيقية بين الفاعلين في القطاع، بما يضمن توازنا معقولا بين حرية السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة التي تتأثر بشكل مباشر بأي ارتفاع في أسعار الطاقة.