لسنوات طويلة، كان التواصل المؤسساتي في المغرب يُنتقد كلما حلت أزمة، لأن فراغ المعلومة كان يتسع أحيانا بقدر اتساع الحدث نفسه. لكن ما جرى خلال الفيضانات التي عرفتها مدينة القصر الكبير شكل لحظة مختلفة، يمكن القول إنها لحظة نضج حقيقي في فلسفة الدولة التواصلية، حيث تحولت البلاغات من لغة عامة إلى أدوات تنفيذ دقيقة، مؤسسة على الأرقام، والتواريخ، والالتزامات الواضحة. لم يكن الحديث هذه المرة عن “تتبع الوضع عن كثب” فقط، بل عن خطة عملية محددة المعالم، تُعلن تاريخ العودة بدقة، وتحدد الأحياء المعنية بالاسم، وتربط القرار بجاهزية ميدانية تم التحقق منها سلفا، في انسجام واضح بين القرار المركزي والتدبير المحلي.
قوة هذا التواصل لم تكن في البلاغ ذاته، بل في ما حمله من تفاصيل تغلق باب التأويل. حين تعلن السلطات عن تسخير قطارات مجانية من طنجة المدينة، وتعبئة حافلات دون مقابل لتسهيل عودة السكان، فهي لا تطمئن الناس بالكلمات، بل بالآليات. وحين تقرر إحداث نقاط مراقبة عند مداخل الأحياء لضبط عملية العودة، فإنها توضح أن الأمر ليس ارتجالا بل عملية منظمة ومؤطرة. الأهم أن العودة لم تفصل عن الشروط الصحية والبيئية؛ فقد انطلقت عمليات إزالة مخلفات الفيضانات منذ 7 فبراير 2026، بالتوازي مع إعادة التزويد بشبكات الماء والكهرباء والتطهير والاتصالات وفتح الطرق، بما يعني أن القرار كان مبنيا على معطيات تقنية لا على ضغط ظرفي.
أما في الجانب الاجتماعي، فقد كان للأرقام وقع خاص: 6.000 درهم كمساعدة استعجالية مباشرة لكل أسرة متضررة، 15.000 درهم لإعادة تأهيل المساكن والمحلات الصغيرة، و140.000 درهم لإعادة بناء المساكن المنهارة كليا. هذه ليست وعودا فضفاضة، بل التزامات مالية معلنة بسقوف واضحة. بل إن آلية الاستفادة نفسها عكست تحولا رقميا لافتا؛ رسالة نصية قصيرة إلى الرقم 1212 تتضمن رقم البطاقة الوطنية وتاريخ الازدياد، لتبدأ مسطرة التحقق ودراسة الطلب. في سياق أزمات سابقة كان المواطن ينتظر فيها لأسابيع وربما أشهر دون وضوح، تبدو هذه المقاربة نقلة نوعية نحو إدارة أكثر شفافية وسرعة.
التنسيق الذي ظهر على مستوى اللجنة الوطنية لليقظة، وما رافقه من تثمين للتعليمات الملكية بالتدخل الفوري للقوات المسلحة الملكية وتسخير وسائل بشرية ولوجستيكية مهمة، عكس وحدة القرار والرسالة. لم تكن هناك روايات متعددة أو خطابات متضاربة، بل انسجام واضح بين مختلف المتدخلين، مع تأكيد استمرار التعبئة ومراقبة تطور منسوب وادي اللوكوس ووادي سبو، والجاهزية للتدخل كلما دعت الضرورة. في الأزمات، أخطر ما يواجه الدولة ليس فقط الكارثة الطبيعية، بل الإشاعة التي تنمو في غياب المعلومة، وقد بدا واضحا أن استراتيجية هذه المرحلة كانت تقوم على ملء ذلك الفراغ بسرعة ودقة، قبل أن يتحول إلى مجال للارتباك.
إن الموضوعية تقتضي القول إن هذا الأداء لا يلغي ما سبق من اختلالات في محطات أخرى، لكنه يؤكد أن الدولة قادرة على التعلم وتطوير أدواتها.
في النهاية، ما جرى لم يكن مجرد تدبير ظرفي لأزمة مناخية عابرة، بل اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الدولة على إدارة الخطر بلغة الوضوح والمسؤولية. وحين اختارت المؤسسات أن تخاطب المواطنين بالأرقام الدقيقة، بالتواريخ المحددة، وبالالتزامات المالية المعلنة، فإنها لم تكن تدافع عن صورتها، بل كانت تبني رصيدا جديدا من الثقة. الفيضانات كشفت هشاشة الطبيعة، لكنها كشفت أيضا صلابة القرار حين يكون منظما ومسنودا بمعطيات واقعية. وفي زمن تتسابق فيه الإشاعة مع الخبر، أثبتت التجربة أن أقوى رد ليس هو الصوت الأعلى، بل المعلومة الأدق. هنا بالضبط يمكن القول إن التواصل لم يكن مجرد مواكبة للأزمة، بل كان أحد أهم أدوات تجاوزها، وأن الثقة التي تبنى في لحظات الشدة هي الرأسمال الحقيقي لأي دولة تراهن على الاستقرار والاستمرارية.