حين تتكلم الصواريخ… هل يبقى لحقوق الإنسان صوت؟

سامي المودني*

أعاد التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط، المرتبط بالهجوم العسكري على إيران وما تلاه من ردود فعل وانعكاسات على أمن عدد من دول المنطقة، طرح سؤال جوهري حول قدرة المؤسسات الأممية على التأثير في مسار النزاعات المسلحة في عالم يتزايد فيه الاحتكام إلى القوة. ففي لحظة تتسع فيها رقعة العمليات العسكرية وتتزايد المخاوف من انزلاق إقليمي واسع، يجد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نفسه أمام اختبار حقيقي يتعلق بدوره في حماية المدنيين وتعزيز احترام قواعد القانون الدولي.

هذه التطورات تزامنت مع الدورة الحادية والستين للمجلس المنعقدة في جنيف، ما جعل النقاش داخل القاعة الأممية يتجاوز الإطار التقليدي لمتابعة أوضاع حقوق الإنسان داخل الدول وفي العالم، لينتقل إلى نقاش أوسع حول العلاقة بين النزاعات المسلحة والالتزامات القانونية الدولية.

تحذير أممي من التصعيد

في هذا السياق، جاء بيان صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ليعكس حجم القلق داخل المنظومة الأممية. فقد أكدت المفوضية أن الأزمة في الشرق الأوسط «تتجه نحو السيناريو الأسوأ الذي كان يخشاه المجتمع الدولي»، محذرة من أن اتساع العمليات العسكرية يهدد بإلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين والبنية التحتية المدنية.

كما شددت المفوضية على أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات واضحة على جميع الأطراف المتحاربة، أبرزها حماية المدنيين وعدم استهداف المنشآت المدنية. وفي هذا الإطار أكدت أن الحل الوحيد للخروج من دوامة التصعيد يكمن في العودة إلى المفاوضات السياسية، معتبرة أن استمرار العمليات العسكرية لا يؤدي إلا إلى “المزيد من القتل والدمار واليأس”.

هذه التصريحات لا تكتسب أهميتها فقط من مضمونها السياسي، بل أيضا من بعدها القانوني، لأنها تعيد التذكير بالمعايير التي تحكم سلوك الأطراف في النزاعات المسلحة وفق قواعد القانون الدولي.

القانون الدولي كإطار ناظم للحرب

يشكل القانون الدولي الإنساني الإطار القانوني الأساسي الذي ينظم النزاعات المسلحة ويهدف إلى الحد من آثارها على السكان المدنيين. وقد تطور هذا النظام القانوني عبر مجموعة من الاتفاقيات الدولية، أبرزها اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977.

وتقوم هذه القواعد على عدد من المبادئ الجوهرية، من أهمها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، إضافة إلى الالتزام باتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق أضرار مفرطة بالمدنيين.

وبموجب هذه القواعد، فإن استهداف المنشآت المدنية أو تنفيذ هجمات عشوائية قد يشكل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني، ما يفتح الباب أمام مساءلة قانونية دولية. وفي هذا السياق يصبح دور المؤسسات الأممية، بما فيها مجلس حقوق الإنسان، مهما في رصد هذه الانتهاكات وتوثيقها.

ورغم أن مجلس حقوق الإنسان لا يملك أدوات تنفيذية مباشرة، فإنه يشكل أحد أهم الفضاءات الدولية لمتابعة آثار النزاعات المسلحة على حقوق الإنسان. فمن خلال آلياته المختلفة، مثل لجان تقصي الحقائق والبعثات الدولية للتحقيق، يمكن للمجلس أن يساهم في توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة المتعلقة بها.

هذا الدور لا يقتصر على البعد التوثيقي فقط، بل يمتد أيضا إلى تطوير المعايير القانونية. فالقرارات التي يصدرها المجلس والتقارير التي تعدها آلياته تسهم في تفسير وتوسيع نطاق تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصا في النزاعات المعاصرة التي تتسم بتعقيد كبير.

غير أن قدرة المجلس على التأثير تظل محدودة بعوامل سياسية عديدة، أبرزها الاستقطاب الدولي داخل المنظومة الأممية.

التوتر بين السيادة والحماية الإنسانية

الحرب الحالية تعكس بوضوح التوتر القائم داخل النظام الدولي بين مبدأ السيادة الوطنية وضرورة حماية المدنيين. ففي حين تستند بعض الدول إلى حقها في الدفاع عن النفس وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، تؤكد أطراف أخرى أن هذا الحق لا يعفي الدول من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.

هذا التوتر يظهر بوضوح داخل مجلس حقوق الإنسان، حيث تتحول النقاشات أحيانا إلى ساحة مواجهة دبلوماسية بين كتل دولية مختلفة، ما قد يحد من قدرة المجلس على تبني مواقف موحدة. رغم هذه التحديات، يمكن تحديد عدة أدوار أساسية لمجلس حقوق الإنسان في سياق النزاعات المسلحة.

أولا: يوفر المجلس منصة دولية لتوثيق الانتهاكات وإبقاءها ضمن دائرة الاهتمام الدولي. هذه الوظيفة أساسية لأن توثيق الانتهاكات يشكل غالبا الأساس لأي مساءلة قانونية مستقبلية.

ثانيا: يسهم المجلس في تعزيز الوعي الدولي بالقواعد القانونية التي تحكم النزاعات المسلحة، خصوصا فيما يتعلق بحماية المدنيين.

ثالثا: يمارس المجلس نوعا من الضغط المعنوي على الأطراف المتحاربة من خلال البيانات والتقارير التي تصدر عن آلياته المختلفة.

وأخيرا، يساهم المجلس في إعادة تأطير النقاش حول النزاعات المسلحة من زاوية قانونية وحقوقية، وهو أمر مهم في بيئة إعلامية وسياسية يغلب عليها خطاب القوة.

غير أن التحولات التي تشهدها الحروب المعاصرة لا تقتصر على الأبعاد العسكرية التقليدية، بل تمتد أيضا إلى المجال التكنولوجي والرقمي، حيث بدأت أدوات القتال نفسها تعرف تحولات عميقة.

الذكاء الاصطناعي والحروب الهجينة

لا يقتصر الاختبار الذي يواجهه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في النزاع الحالي على توثيق استخدام الأسلحة التقليدية أو رصد آثار العمليات العسكرية المباشرة، بل يمتد أيضا إلى “الميدان الرقمي” الذي أصبح جزء لا يتجزأ من العقيدة العسكرية المعاصرة. فمع تزايد توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الاستخباراتية وتحديد الأهداف، وتصاعد الهجمات السيبرانية على البنى التحتية الحيوية، تجد قواعد القانون الدولي الإنساني نفسها أمام تحديات غير مسبوقة.

فحين يتم استهداف منشآت الطاقة أو شبكات الاتصالات أو أنظمة الملاحة عبر هجمات سيبرانية غير ملموسة، يصبح من الصعب على آليات التحقيق الدولية، بما فيها لجان تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، إثبات القصد الجرمي أو تحديد الطرف المسؤول بدرجة كافية من اليقين التقني. هذه الإشكالية، التي يصفها بعض الباحثين في القانون الدولي بـ”فجوة المساءلة”، تعكس اتساع الفجوة بين التطور التكنولوجي السريع في أدوات الحرب وبين قدرة الأطر القانونية والمؤسساتية على مواكبته.

إن هذا التحول نحو ما يسمى بـ”الحروب الذكية” يفرض على المنظومة الأممية التفكير في تطوير أدوات رقابة وتحقيق رقمية موازية لتطور أدوات القتال نفسها. فبدون بناء قدرات تقنية متقدمة لرصد الهجمات السيبرانيةوتحليل الخوارزميات العسكرية، قد يتحول الغموض الرقمي إلى غطاء جديد للإفلات من العقاب، وهو ما يهدد بتقويض أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، وهو مبدأ المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة في زمن النزاعات المسلحة.

وكخلاصة، تظهر الحرب الجارية في الشرق الأوسط أن النظام الدولي يمر بمرحلة اختبار حقيقي لقدرته على الحفاظ على قواعد القانون الدولي. ورغم أن مجلس حقوق الإنسان لا يملك سلطة تنفيذية لوقف النزاعات المسلحة، فإن دوره في توثيق الانتهاكات وتعزيز المعايير القانونية يظل عنصرا أساسيا في منظومة الحوكمةالدولية.

وفي عالم تتزايد فيه النزاعات المسلحة وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الدولية، يصبح الحفاظ على هذه القواعد القانونية بحد ذاته خط الدفاع الأخير ضد تحول الحروب إلى مناطق فراغ قانوني تتلاشى فيها المسؤولية الدولية.

* صحافي وباحث في حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

ترمب يؤكد أنه لا توجد مفاوضات مع إيران بشأن الحرب وأنها قد تتواصل لفترة قصيرة

المنشور التالي

دعوات عاجلة لوزارة الصحة لتوفير سيارات إسعاف بمستشفى القرب بابن أحمد

المقالات ذات الصلة