بقلم الدكتور ياسين امناي: باحث في علم النفس الاجتماعي
الزمن ليس محايدا و التقويم ليس مجرد اداة لحساب الايام والشهور، بل هو مراة للثقافة والهوية، ووسيلة لفهم الزمن من منظور نفسي وروحي. الزمن، في جوهره يحمل دلالات و يعاد انتاجه اجتماعيا وثقافيا، محددا ما يعتبر حدثا مهما أو غير مهم، ومؤثرا على وعي الفرد بنفسه وبمجتمعه. عندما يتحول التقويم الى اداة للهيمنة، تصبح ادارة الوقت ممارسة رمزية، يمكن ان تعيد تشكيل القيم والمعايير الثقافية، وتؤثر على الهوية النفسية والاجتماعية وتحدد كيفية ادراك المجتمعات لتاريخها ومستقبلها. هذا ما يجعل التقويم بوصفه سلطة رمزية مهمة لفهم العلاقة بين الزمن والثقافة والهيمنة.
فالتقويم الميلادي، المعروف بالغريغوري، اقر رسميا عام 1582 لضبط السنة الشمسية وفق النظام الاوروبي، وقد صمم لضمان انتظام الحسابات الكنسية والادارية، ولكنه اصبح لاحقا معيارا عالميا يفرض على المجتمعات خارج اوروبا. يمتاز هذا التقويم بكونه ثابت و دائري مغلق يكرر نفسه سنويا بنفس النمط دون إحساس الأفراد بأي تغيير فالاشهر تابتة مثلا شهر يوليوز و شهر غشت مرتبطين بالعطلة و فصل الصيف في القويم الميلادي ما يجعله نموذجا زمنيا مغلقا. هذا الطابع الثابت يخلق احساسا بالعالمية والموضوعية، لكنه في الوقت نفسه يقصي الديناميكيات المحلية ويجعل المجتمع عرضة لتبني منظور أحادي عن الزمن والحداثة، دون تمكينه من المحافظة على ايقاعه الثقافي الخاص.
على النقيض، يتميز التقويم الهجري بالمرونة والديناميكية، فهو يعتمد على الدورة القمرية ويرتبط باحداث تاريخية ودينية محددة، مثل الهجرة النبوية، ما يمنحه بعدا رمزيا وروحيا متجددا. مثلا شهر رمضان ففي كل سنة يأتي في فصل معين وفق طبيعة متغيرة حاملا مرجعية سلوكية تتمثل في الصوم هذا يتيح المناسبات ان تكون مرتبطة بالحدث والمعنى اكثر من كونها شكلا شكليا او استهلاكيا، ويجعل الفرد مرتبطا بتاريخ مجتمعه وهويته. الطبيعة الديناميكية للتقويم الهجري تعكس دورة حلزونية للزمن، حيث يتجدد كل حدث ضمن سياقه الخاص، ما يخلق تجربة زمنية اكثر ثراء ومرونة، ويعزز الشعور بالانتماء والاستمرارية الثقافية.
أما في ما يخص مظاهر الاحتفال بالسنة الميلادية تعكس طبيعتها المادية التشيئية ، اذ تقتصر غالبا على الزينة، الالعاب النارية، الحفلات، والهدايا، مع تركيز كبير على الاستهلاك والجانب الاقتصادي اكثر من البعد الرمزي او الروحي. هذه الاحتفالات تجسد البعد الاجتماعي والثقافي للعالمية، لكنها غالبا تفقد الحدث بعده التاريخي والإنساني، في حين ان الاحتفالات المرتبطة بالسنة الهجرية تركز على البعد الروحي والتاريخي، وتربط الفرد بالمجتمع والتاريخ بطريقة تمنحه معنى اعمق.
إن فرض التقويم الميلادي لم يكن مجرد اجراء اداري، بل اداة لاعادة انتاج قيم ثقافية بعينها، حيث اصبح المعيار الزمني في التعليم، الاقتصاد، والسياسة عالميا، بينما يختزل التقويم الهجري الى المجال الديني والشعائري، ما يكرس شعورا بالدونية الثقافية ويخلق وعيا زائفا يربط التقدم بالزمن الميلادي.
نتيجة هذا الوضع، تواجه المجتمعات العربية والاسلامية ازدواجية زمنية فالاقتصاد والسياسة والتعليم يسيران وفق التقويم الميلادي، بينما يرتبط التقويم الهجري بالشعائر والطقوس الدينية. هذا الانقسام يؤثر على البنية النفسية للافراد وعلى الوعي الثقافي والانتماء، ويولد شعورا بالإغترب بين المعنى والقيمة اليومية.
علاوة على ذلك حتى أسماء الأشهر تكشف عن الاختلاف الرمزي بين النظامين ففي الميلادي ترتبط الأشهر بآلهة رومانية وفصول طبيعية مثل يناير نسبة إلى “إله البدايات يانوس” أو مارس نسبة إلى “إله الحرب مارس”بينما في الهجري تحمل الأشهر دلالات تاريخية ودينية واضحة هذا يوضح كيف يشكل التقويم أداة للتحكم في الرمزية النفسية والثقافية لدى الأفراد و المجتمعات.
إن الحديث عن استعادة استخدام التقويم الهجري لا تعني رفضا للعالمية او الحداثة، بل هي مقاومة معرفية تهدف الى استعادة القدرة على تحديد ايقاع الحياة ومعاني الاحداث من داخل المرجعية الثقافية الخاصة التي تراعي التوازن النفسي للافراد.
في النهاية، يتضح ان السيطرة على الزمن ليست مسالة تنظيمية فحسب، بل اداة لانتاج المعنى وإعادة تنظيم البنية النفسية والاجتماعية . وهيمنة التقويم الميلادي اعاد انتاج قيم ومعايير خارجية، بينما يمنح التقويم الهجري الفرصة لاعادة بناء العلاقة مع الزمن على اساس الحدث والمعنى والانتماء.