بقلم: رميساء السحنوني
عندما أتأمل وضع الصحة والسلامة المهنية في المغرب اليوم أجد نفسي أمام قطاع يعيش تحولا هادئا لكنه حقيقي. ليس ثورة مفاجئة ولا قفزة كبيرة بين ليلة وضحاها بل خطوات محسوبة تنبع من وعي جديد بدأ يتشكل في مؤسساتنا وفي خطاب الدولة وفي نظرة المجتمع للعمل.
هذا الوعي يهمني شخصيا لأنه يعكس كيف نرى الإنسان داخل فضاء الشغل هل هو مجرد عنصر إنتاج أم هو قيمة يجب حمايتها؟ ولأول مرة منذ سنوات أشعر أن المغرب بدأ يجيب عن هذا السؤال بوضوح أكبر .
التحديات موجودة ولا أحد ينكرها ما زالت بعض الشركات تتعامل مع الوقاية كإجراء ثانوي وما زال جزء من العاملين يعتقد أن الحماية مسؤولية (الآخر)وما زلنا نفتقر أحيانا إلى التكوين وإلى نظام مراقبة قوي قادر على مجاراة التطور الصناعي لكن رغم ذلك الصورة ليست سوداء لأن ما يحدث اليوم هو بداية تغيير في العقلية وهذا أهم بكثير من تغيير المعدات أو نشر التعليمات.
أصبحت ألاحظ في اللقاءات والمبادرات الأخيرة أن النقاش تغير عمقه لم يعد الحديث محصورا في كيفية الالتزام بالنصوص القانونية بل أصبح منصا على بناء عقلية جديدة داخل المقاولات والمصانع عقلية تجعل الوقاية جزءا من الهوية المهنية وتعتبر الإنسان أساس الجودة لا مجرد تفصيل تابع لها هذا التحول في طريقة التفكير قبل أي شيء آخر هو ما يجعلني مقتنعة بأن المغرب يتحرك في الاتجاه الصحيح، حتى إن بدا للبعض أن وتيرة التغيير أبطأ مما يتمنون.
أؤمن أن التحول الحقيقي لا يبدأ بالقرارات الكبرى بل بالتفاصيل الصغيرة مسؤول يختار الاستثمار في تكوين فريقه، عامل يدرك معنى حماية نفسه، وإدارة تجعل الوقاية جزءا من يومها المهني من هنا تبنى الثقافة ويتحول احترام السلامة من مجرد التزام قانوني إلى قناعة مشتركة.
وأنا أرى أن المغرب لا يعيش مرحلة انتظار بل مرحلة بناء والبناء بطبيعته يحتاج إلى وقت وصبر وإرادة باعتبارها المسار الوحيد الذي يمنح نتائج دائمة. ولهذا أعتقد أن مستقبل الصحة والسلامة المهنية عندنا يحمل الكثير من الإمكانات لأن دولة تناقش سلامة مواطنيها بجدية هي دولة تمهد لأفق أفضل.
قد لا نصل غدا، وقد لا يتغير كل شيء دفعة واحدة، لكن ما يحدث اليوم يضع الأساس لما سيكون أفضل. ولهذا، أكتب لك وأنا مؤمنة بأن بلدنا يمضي نحو مستقبل أكثر نضجا وإنسانية وأؤمن أيضا أن هذا الطريق بكل صعوباته هو سبب كاف لنفتخر بوطن نحلم جميعا برفعته.
المقالات ذات الصلة
مغرب الحضارة: المغرب ورش مفتوح.. فرصة تاريخية للصناعة الحديثة والتقليدية والتشغيل
بقلم عزيز رباح: وزير سابق ورئيس مبادرة “الوطن أولا ودائما” منذ أكثر من عقدين ونصف أطلقت في بلادنا…
حين تتحول الأمطار والثلوج إلى امتحان قاس لساكنة القرى المغربية
بقلم رميساء السحنوني مع كل موسم شتاء، تتحول الأمطار الغزيرة والثلوج الكثيفة من نعمة منتظرة إلى معاناة يومية…
المغرب يكسب شريكا افريقيا كبيرا: كينيا.. الجبهة الداخلية من أجل الإنجاز والتحصين
بقلم عزيز رباح: وزير سابق ورئيس مبادرة “الوطن أولا ودائما” المسار الدبلوماسي الجديد الذي يقوده جلالة الملك منذ…