في خطوة دبلوماسية مهمة، أعلن المغرب عن انضمامه إلى ما يعرف بـ”مجلس السلام” المتعلق بقطاع غزة، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، مع تراجع فرص الحلول السياسية التقليدية وتصاعد الحاجة إلى مبادرات وساطة جديدة.
وللتعليق على دلالات هذا القرار، يوضح الخبير والمحلل السياسي عبد الحكيم قرمان، في حوار خص به THE PRESS، أبعاد الانضمام المغربي، ومدى انسجامه مع موقف المملكة التاريخي تجاه فلسطين، وتأثيره المحتمل على مسار التهدئة في غزة.
ما الدلالة السياسية لانضمام المغرب إلى “مجلس السلام” في هذا التوقيت الحساس؟
انضمام المغرب في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية عميقة، فهو يأتي في لحظة دقيقة على المستوى الإقليمي والدولي، حيث تتصاعد المواجهات العسكرية في غزة وتزداد هشاشة المسارات التقليدية للوساطة. هذا القرار ليس مجرد خطوة رمزية أو إعلامية، بل يعكس استراتيجية مدروسة للمغرب، تقوم على الانخراط الفاعل والمسؤول في جهود السلم، بدلا من الاكتفاء بالمواقف الخطابية أو الانسحاب من النقاشات الدولية.
ومن الناحية الزمنية، توقيت الانضمام مهم جدا، لأنه يأتي في ظل تراجع ثقة المجتمع الدولي في قدرة القوى الكبرى على فرض حلول عادلة ومستدامة. المغرب، بانخراطه في المجلس، يرسل رسالة واضحة مفادها أنه يسعى إلى إعادة الاعتبار لمنطق الحوار السياسي، حتى في أكثر الأزمات تعقيدا، ويؤكد على أن دوره لن يكون استعراضيا، بل تأثيريا.
أما من حيث التموضع الاستراتيجي، فالانضمام يعكس تحول المغرب من موقع “الداعم المبدئي” إلى موقع “الفاعل المساهم” الذي يشارك في صياغة المبادرات وتحديد معالمها، وهذا يؤكد فهم المملكة العميق لمنطق العلاقات الدولية المعاصرة، حيث لا يمكن أن يتحقق التأثير إلا من داخل دوائر القرار، مع الحفاظ على استقلالية السيادة ومرجعية القيم التي يلتزم بها المغرب.
كيف ينسجم هذا القرار مع الموقف المغربي الثابت من القضية الفلسطينية، خصوصا في ظل رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس؟
الانسجام هنا واضح وعميق، لأنه مبني على رؤية تاريخية واستراتيجية للمغرب، تجعل فلسطين قضية مركزية في السياسة الخارجية، والقدس محورا ثابتا في الدبلوماسية المغربية، لا سيما في ظل رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس.
والمغرب لم يعتبر القضية الفلسطينية يوما ملفا ظرفيا، بل قضية ثابتة تعكس التزام المملكة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. الانخراط المغربي في “مجلس السلام” ينبع من هذا الالتزام، ويضمن أن أي حلول تتعلق بغزة أو فلسطين تحترم هذه الثوابت.
كما تضيف رئاسة الملك للجنة القدس بعدا أخلاقيا وسياسيا، إذ تمنح المغرب مسؤولية مضاعفة تجاه حماية مكانة القدس وضمان ألا تهمش في أي تسوية محتملة. هذا الحضور ليس شكليا، بل وسيلة لتأكيد أن مبدأ القدس وحقوق الفلسطينيين لا يتجاهل عند صياغة أي مبادرة.
كما يطبق المغرب هنا نهجا يجمع بين المبدأ والفعل، فهو لا يكتفي بالدعم الكلامي، بل يسعى إلى التأثير عمليا داخل المنصات التي تناقش فيها الحلول، بما يضمن حماية المدنيين، وإدخال البعد الإنساني، وتهيئة أفق سياسي طويل الأمد يعالج جذور النزاع، لا مجرد إدارة الأزمات على المدى القصير.
إلى أي حد يعكس هذا الانضمام وزن المغرب كشريك موثوق في مبادرات السلم والأمن الدولي؟
الانضمام يعكس بشكل واضح وزن المغرب المتنامي كشريك موثوق وفاعل مسؤول في مبادرات السلم والأمن الدولي. هذا الوزن ليس ظرفيا أو مؤقتا، بل نتيجة تراكم خبرة دبلوماسية طويلة، اتسمت بالاتزان والاستمرارية والقدرة على الجمع بين الثبات المبدئي والمرونة العملية.
على مستوى المصداقية، المغرب ينظر إليه كدولة لا تغير مواقفها بتقلب الظروف، ولا يشارك في المبادرات إلا بعد تقييم دقيق للمعطيات السياسية والأخلاقية. وهذا يمنحه قدرة على لعب دور الوساطة في النزاعات الحساسة، حيث يطلب المجتمع الدولي فاعلين قادرين على الحفاظ على مسافة متوازنة بين الأطراف، بعيدا عن الانحياز أو الاستقطاب.
وعلى المستوى الجيوسياسي، موقع المغرب المتميز بين إفريقيا، العالم العربي، أوروبا والفضاء الأطلسي، بالإضافة إلى علاقاته المتوازنة مع القوى الكبرى، يمنحه قدرة نادرة على التواصل مع أطراف متباينة، ونقل وجهات نظرها، وتقريب مواقفها، دون أن ينظر إليه كطرف منحاز. هذا ما يجعل حضوره داخل “مجلس السلام” أكثر فعالية، لأنه قادر على التأثير في المواقف، وتقليل فجوات الفهم، وتحقيق نوع من التوازن الاستراتيجي.
كما أن المغرب لا يكتفي بالخطاب، بل يترجم مواقفه إلى أفعال ملموسة، سواء عبر المبادرات الإنسانية، أو دعم الاستقرار في إفريقيا، أو الإسهام في جهود حفظ السلام، وهو ما يمنح مشاركته في المجلس مصداقية عملية حقيقية.
هل يمكن لهذا الدور أن يترجم إلى تأثير فعلي على مسار التهدئة في غزة، أم يظل في إطار الدبلوماسية الرمزية؟
الدور المغربي في “مجلس السلام” يتجاوز الرمزية، لكنه يعتمد على التأثير التراكمي والحكيم أكثر من النتائج الفورية. الواقع أن الصراع في غزة معقد للغاية، ويشتمل على أبعاد عسكرية، سياسية، إنسانية وإقليمية، ولا يتوقع لأي طرف مهما كانت قوته أن يحقق اختراقا حاسما بين ليلة وضحاها.
وتكمن القوة الحقيقية للمغرب في موقعه كفاعل غير منحاز، قادر على التواصل مع الأطراف المختلفة، وخفض منسوب التوتر داخل الفضاءات التفاوضية، والمساهمة في حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية. كما أن المغرب يملك خبرة طويلة في الدبلوماسية غير العلنية، عبر بناء جسور ثقة خلف الكواليس، وهي غالبا أكثر تأثيرا من المبادرات العلنية الصاخبة.
وعلى المدى المتوسط والطويل، فدوره يسهم في منع المزيد من التدهور، والحفاظ على قنوات السياسة مفتوحة، مع دعم بيئة سياسية تؤدي في النهاية إلى تهدئة مستدامة. فالرمزية هنا ليست سطحية، بل لها مضمون عملي قائم على الحكمة والصبر، وهو ما يجعل للمغرب قدرة حقيقية على التأثير حتى وإن لم تترجم النتائج فوريا على الأرض.