في اختياره طريق الضيافة والانفتاح، لم يكن المغرب يبحث عن تصفيق عابر ولا عن اعتراف ظرفي، بل كان يرسخ نهجاً تاريخياً قوامه الأخوة والتشارك واحترام الآخر. فالمملكة، وهي تستثمر في بنى تحتية بمعايير دولية وتفتح فضاءها لاستقبال المنتخبات وجماهير مختلف الدول بروح من الفرح وحسن النية، إنما تؤكد أن الانتماء إلى العالم لا يتحقق بالشعارات، بل بالفعل المسؤول وبالاستعداد الدائم لتحمل كلفة الاختيار.
هذا المسار، الذي حظي بإشادة واسعة من المتابعين والفاعلين، لم يمر دون مقاومة. فحيثما تحضر النجاحات، تحضر معها الغيرة وسوء الظن ومحاولات التشكيك. وهي ردود أفعال ليست جديدة في منطق السياسة ولا في دينامية العلاقات بين الدول، إذ غالباً ما يُقابل التقدم السريع بالتحفظ، وتُقرأ الإنجازات خارج سياقها الطبيعي، لا لشيء إلا لأنها تكسر منطق الانتظار وتربك الحسابات التقليدية.
إن التاريخ يعلمنا أن التنمية حين تتقدم بخطى أسرع من محيطها، تصبح موضوع مقارنة أكثر منها موضوع فهم. وحين تنهض مدينة أو دولة بوتيرة أعلى من غيرها، تتحول الفوارق إلى مصدر توتر بدل أن تكون حافزاً للتكامل. في هذه اللحظات، لا يكون النقد دائماً تعبيراً عن حرص مشروع، بل كثيراً ما يصبح انعكاساً لإحباطات مكبوتة أو حسابات ضيقة.
غير أن الضجيج، مهما علا، لا يستطيع أن يحجب الحقيقة الأساسية: التقدم يزعج قبل أن يُسلَّم به، والتغيير يواجه الرفض قبل أن يتحول إلى نموذج. والمغرب، وهو يدرك طبيعة هذه الممانعات، لا يتعامل معها بردود انفعالية، بل بثبات في الرؤية ووضوح في الاختيارات، مدركاً أن الزمن كفيل بفرز الجاد من العقيم، والبناء من الهدم.
من هنا، فإن المضي قدماً ليس تحدياً لأحد، بل وفاء لمسؤولية وطنية وأخلاقية تجاه الحاضر والمستقبل. فالتنمية ليست استفزازاً، ولا استعراضاً للقوة، بل التزام طويل النفس بخدمة الإنسان والمكان. ومن يختار السير إلى الأمام، عليه أن يقبل بأن الطريق لن يكون خالياً من الضوضاء، لكنه سيكون، في النهاية، الطريق الصحيح.