احتضنت العاصمة المصرية القاهرة يومي 19 و20 دجنبر الجاري، أشغال المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة الروسية الإفريقية، وهو اللقاء الذي شهد مشاركة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظرائه من أكثر من خمسين دولة إفريقية، حيث شكلت هذه المحطة الدبلوماسية فرصة جوهرية لبحث آفاق تطوير التعاون المشترك في قطاعات حيوية كالتجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب تنسيق الرؤى بشأن القضايا الدولية المرتبطة بالأمن والاستقرار في القارة السمراء.
وقد تميز هذا المؤتمر بغياب جبهة البوليساريو رغم التحركات الحثيثة التي بذلتها الجزائر مدعومة من حلفاء إقليميين كجنوب إفريقيا بهدف إشراك الجبهة في مثل هذه المحافل الدولية، إلا أن موسكو إختارت الالتزام بالضوابط المؤسساتية التي تقتصر على دعوة الدول الإفريقية الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة فقط، وهو المعيار القانوني الذي يخرج البوليساريو من دائرة المشاركة لكونها كيانا لا يتمتع بصفة الدولة ذات السيادة المعترف بها دوليا.
كما يعتبر هذا الموقف امتدادا ثابتا للسياسة التي نهجتها روسيا في جميع القمم السابقة سواء في سوتشي أو سان بطرسبورغ، حيث تحرص القيادة الروسية على ضبط لوائح المشاركين وفق معايير دبلوماسية واضحة تنأى بالمنتدى عن التجاذبات السياسية المرتبطة بالنزاعات الإقليمية، مما يكرس المقاربة المتوازنة لموسكو في تعاطيها مع نزاع الصحراء، وهي المقاربة التي تقوم على الحياد الإيجابي ودعم جهود الأمم المتحدة للوصول إلى حل سياسي توافقي ومقبول، مع الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف رغم متانة علاقاتها مع الجزائر.
كما يتجلى هذا التوازن الروسي في التعامل مع قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالملف، فبالرغم من امتناعها أحيانا عن التصويت بسبب تحفظات تقنية على صياغة القرارات، إلا أنها لم تلجأ يوما إلى استخدام حق النقض لتعطيلها، مما يعكس رغبة موسكو في الحفاظ على شعرة معاوية بين مختلف الفاعلين الإقليميين وضمان استمرار العملية السياسية تحت المظلة الأممية بعيدا عن التصعيد.