الفيضانات بين إنعاش السدود وتهديد الزراعة

عرفت عدد من مناطق المملكة خلال الأسابيع الأخيرة تساقطات مطرية مهمة، رافقتها في بعض الأقاليم فيضانات جزئية وكاملة، خاصة بمناطق الغرب واللوكوس، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول انعكاسات هذه الظاهرة على القطاع الفلاحي، بين آثار إيجابية مرتبطة بانتعاش السدود والغطاء النباتي، وأخرى سلبية تهدد بعض الزراعات والاستثمارات الفلاحية.

وقد ساهمت هذه التساقطات في الرفع من حقينة السدود، سواء الكبرى أو المجاورة للمناطق الفلاحية، حيث وصلت في بعض الحالات إلى نسب مهمة، وهو ما يعد مؤشرا إيجابيا بعد سنوات متتالية من الجفاف. كما كان للأمطار أثر مباشر على تحسين الغطاء النباتي، وتشجيع الزراعات الخريفية والاستعداد الجيد للموسم الربيعي، إضافة إلى انعكاسها الإيجابي على الكلأ وتربية الماشية بعدد من المناطق.

في المقابل، لم تخل هذه الأمطار من آثار سلبية، خاصة في المناطق التي عرفت فيضانات، حيث تأثرت بعض الزراعات بشكل متفاوت حسب شدة ومدة الغمر. وفي هذا السياق، أوضح كمال أبركاني، الأستاذ بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور والخبير في العلوم والهندسة الزراعية، في تصريح خص به THE PRESS، أن التساقطات المطرية الأخيرة كان لها تأثير إيجابي على تقليص ملوحة التربة، خصوصا بعد سنوات من الجفاف التي رفعت من نسبة الملوحة وأثرت على الفرشة المائية والنباتات، محدثة إجهادا مائيا وفيزيولوجيا. كما ساهمت الأمطار في تحسين الغطاء النباتي بشكل عام. مشددا على أن تقييم الخسائر الفلاحية الناتجة عن الفيضانات يبقى رهينا بالمعطيات الرسمية،  خاصة وأن المؤسسات الوصية ما تزال بصدد تدبير مخاطر ارتفاع منسوب المياه، على أن يتم الإعلان عن حجم الأضرار خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة.

وحسب أبركاني، فإن التأثير السلبي للفيضانات يظل جهويًا بالأساس، خصوصًا في سهل اللوكوس، ولا يُتوقع أن يكون له أثر كبير على الإنتاج الفلاحي الوطني ككل. لكنه أشار إلى أن بعض الزراعات تضررت بشكل أكبر، خاصة الزراعات المغطاة مثل الفريز، التوت، الميرتيل، والفواكه الحمراء، إضافة إلى زراعات البطاطس وبعض الحبوب، حسب عمق الغمر الذي قد يصل في بعض المناطق إلى مترين أو ثلاثة أمتار.

كما حذر الخبير في الهندسة الزراعية، من الخسائر الكبيرة التي قد تطال الأشجار المثمرة، خاصة الحوامض، في مناطق مثل سيدي يحيى الغرب، سيدي سليمان، سيدي قاسم وخميسات، وهي مناطق تعرف استثمارات فلاحية مهمة.مؤكدا على أن الأشجار المثمرة تمثل خطورة خاصة، نظرا لكونها تحتاج إلى خمس أو ست سنوات لتدخل طور الإنتاج، ما يعني أن تضررها لا يقتصر على ضياع محصول واحد، بل يمتد إلى خسائر طويلة الأمد وإعادة التشجير باستثمارات مكلفة.

وأضاف أبركاني، أن بعض الأضرار، خاصة المرتبطة بالأمراض الفطرية الناتجة عن الرطوبة، يمكن الحد منها عبر التدخلات الفلاحية المناسبة، مثل استعمال المبيدات الفطرية وتحسين قنوات الصرف، غير أن الغمر الكلي يظل حالة يصعب فيها إنقاذ المحاصيل.

وختم الخبير، تصريحه بالتأكيد على ضرورة اعتماد إجراءات استباقية مستقبلا، من خلال تجنب الزراعة في المناطق المعروفة بتعرضها المتكرر للفيضانات، وتحسين أنظمة تصريف المياه، واعتماد زراعات بديلة أقل حساسية، إلى جانب تدخل المؤسسات الوصية لحماية الفلاحين وتقليص الخسائر المحتملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

تعبئة ميدانية واسعة لمواجهة التقلبات المناخية وإجلاء آلاف المواطنين

المقالات ذات الصلة