تشهد المنظومة القضائية المغربية تحولا استراتيجيا في تعاملها مع قضايا البيئة، حيث كشف التقرير السنوي لرئاسة النيابة العامة لعام 2024 عن حصيلة قضائية غير مسبوقة تمثلت في تحريك قرابة 24 ألف متابعة قضائية.
وتظهر هذه الأرقام، حسب بلاغ النيابة الذي اطلع THE PRESS على نسخة منه، أن الجريمة البيئية لم تعد تعامل كمخالفات ثانوية، بل أصبحت في صلب اهتمامات السياسة الجنائية، بحيث تصدرت الجنح والمخالفات الغابوية المشهد بأكثر من 5100 قضية، تليها الجرائم المرتبطة بتدبير النفايات التي سجلت إرتفاعا لافتا بنسبة 35 في المئة، وصولا إلى الملاحقات المتعلقة بصناعة واستعمال الأكياس البلاستيكية المحظورة.
يقظة قضائية وتحليل أكاديمي للمؤشرات
وفي قراءة تحليلية لهذه المعطيات، ترى الدكتورة أميمة خليل الفن، الباحثة في الهندسة البيئية والتنمية المستدامة، في تصريح خصت به THE PRESS، أن هذا التصاعد الرقمي يحمل دلالات إيجابية تعكس تطور العدالة البيئية بالمملكة.
وتوضح الدكتورة أميمة الفن، أن المؤسسة القضائية بدأت تتعامل مع الاعتداءات البيئية كفعل يهدد الحقوق الدستورية للمواطنين في العيش ضمن بيئة سليمة.
كما تشير إلى أن تنوع هذه الجرائم يشمل استنزاف المياه والترامي على الغابات وتلوث النفايات، يؤكد أن الضغط على الموارد الطبيعية لم يعد مجرد حوادث عشوائية، بل بات يستوجب تدخلا قانونيا صارما يعتمد على ترسانة تشريعية متطورة تكرس مبادئ حديثة مثل مبدأ الملوث المؤدي.
تحديات الأمن الغذائي البحري والاقتصاد الأزرق
ويبرز قطاع الصيد البحري كأحد أكثر المجالات حساسية ضمن تقرير النيابة العامة، حيث قفزت قضايا الصيد غير القانوني بنسبة قياسية بلغت حوالي 90 في المئة، وفي هذا السياق تعتبر الدكتورة أميمة أن هذا النوع من الجرائم يتجاوز مجرد خرق النظم الإدارية ليمس الأمن الغذائي البحري واستدامة المخزون السمكي الذي يمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد الأزرق.
كما تؤكد أن الاستغلال المفرط وغير المنظم يؤدي إلى اختلالات بيئية حادة وارتفاع في الأسعار ينهك المستهلك المغربي، مما يضع الشبكات المستفيدة والوسطاء تحت طائلة المسؤولية الجنائية والأخلاقية المباشرة عن استنزاف الثروة الوطنية.
المسؤولية المشتركة وأفق الحكامة المتكاملة
إن مواجهة هذه التحديات، حسب الرؤية التحليلية الواردة، تقتضي تجاوز منطق العقوبة التقليدية نحو حكامة بيئية شاملة تزاوج بين الردع والوقاية، إذ تشدد الدكتورة الفن على أن الغرامات المالية قد لا تكون كافية إذا لم ترفق بإلزامية إعادة الحالة البيئية إلى ما كانت عليه، خاصة بالنسبة للشركات والجهات التي تسبب أضرارا جسيمة.
كما تدعو إلى تسريع الرقمنة في تتبع مسار الموارد من المنبع إلى المستهلك، وتقوية التنسيق بين السلطات العمومية والقطاعات الوصية، معتبرة أن الوعي المجتمعي والبحث العلمي يظلان الركيزتين الأساسيتين لدعم المجهود القضائي في ظل الضغوط المتزايدة للتغيرات المناخية.