التنمية المستدامة في النقاش الأممي: حقوق الإنسان لا تقبل التجزيء

جنيف – سامي المودني*

في لحظة دولية تتسم بتزايد التفاوتات الاجتماعية، وتصاعد الأزمات المناخية والاقتصادية، وتراجع الثقة في النماذج التنموية التقليدية، نشر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان تقريراالمعنون “تعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق تحقيق أهداف التنمية المستدامة”، (A/HRC/61/13)، وهو من التقارير الموضوعة على جدول نقاش الدورة الحادية والستين لـمجلس حقوق الإنسان التي انطلقت خلال 23 فبراير 2026. ورغم الطابع التقني الذي قد يوحي به العنوان، فإن مضمون التقرير يتجاوز الإطار الإجرائي، ليعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة التنمية نفسها: هل يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة دون إدماج فعلي لمنظومة حقوق الإنسان في صلب السياسات العمومية؟ أم أن الفصل بين المجالين هو أحد أسباب تعثر النموذج التنموي عالميا؟

التنمية وحقوق الإنسان

ينطلق التقرير من فرضية واضحة مفادها أن أهداف التنمية المستدامة ليست أجندة اقتصادية محايدة، بل ترجمة عملية لالتزامات حقوقية قائمة في القانون الدولي. فالفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل مساس مباشر بالحق في مستوى معيشي لائق. وضعف الولوج إلى الصحة والتعليم ليس اختلالا تقنيا في التوزيع، بل إخلال بالتزامات قانونية وأخلاقية على عاتق الدولة. بهذا المعنى، ينقل التقرير النقاش من منطق “تحقيق النتائج” إلى منطق “احترام الالتزامات”. الفرق جوهري بين أن تعتبر الدولة الخدمات الاجتماعية امتيازا تمنحه حسب قدرتها المالية، وبين أن تراها حقوقا واجبة النفاذ. في الحالة الأولى يصبح المواطن مستفيدا، وفي الثانية يصبح صاحب حق يمكنه المطالبة والمساءلة.

يحذر التقرير من النزعة المتزايدة عالميا إلى اختزال التنمية في مؤشرات رقمية تعرض في تقارير دورية. فالمؤشرات ضرورية للقياس، لكنها لا تكفي لضمان العدالة. يمكن أن يتحسن المتوسط الوطني للدخل، بينما تتعمق الفجوات الجهوية. يمكن أن ترتفع نسب التمدرس، بينما تتراجع جودة التعليم أو تكافؤ الفرص. الأرقام قد تعكس تقدما كميا دون أن تعكس تقدما نوعيا في الكرامة الإنسانية. لذلك يدعو التقرير إلى اعتماد المقاربة القائمة على حقوق الإنسان، التي ترتكز على المشاركة الفعلية، وعدمالتمييز، والشفافية، والمساءلة. هذه المبادئ لا تعد إضافات تجميلية، بل شروطا بنيوية لتحويل التنمية من مشروع إداري إلى مشروع تعاقدي بين الدولة والمجتمع.

أحد أهم ما يلفت الانتباه في التقرير هو نقده الضمني للفصل التقليدي بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. فحرية التعبير والوصول إلى المعلومات ليستا مسائل ثانوية مقارنة بالحق في الصحة أو الشغل، بل شرطين أساسيين لضمان توزيع عادل للموارد. بدون فضاء عمومي يسمح بالنقاش والنقد والمساءلة، قد تتحول السياسات الاجتماعية إلى أدوات لإعادة إنتاج الامتيازات بدل تقليصها. التنمية في هذا التصور ليست عملية تقنية معزولة، بل مسار سياسي يقتضي إشراك الفئات المعنية وضمان قدرتها على التأثير في القرارات التي تمس حياتها.

كما يسلط التقرير الضوء على إشكالية المساءلة باعتبارها الحلقة الأضعف في معادلة التنمية. فالخطط الطموحة التي لا تُترجم إلى اعتمادات مالية واضحة، ولا تخضع لتقييم دوري مستقل، تظل مجرد إعلان نوايا. وعندما لا تربط الميزانيات بالأولويات الحقوقية، ولا تتاح معطيات شفافة حول نتائج السياسات، يصبح من الصعب قياس مدى احترام الالتزامات. في كثير من السياقات الدولية، أُعلن الالتزام بأجندة 2030، لكن القليل من الدول اعتمد أدوات لقياس الأثر الحقوقي للسياسات التنموية. وهنا يبرز التناقض بين الخطاب والممارسة، وهو تناقض لا يفضي فقط إلى تعثر الإنجاز، بل إلى تآكل الثقة.

المغرب: التنمية والأثر الحقوقي

في السياق المغربي، يكتسي هذا النقاش أهمية خاصة. فالدستور رسخ مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية، وأكد على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أطلقت الدولة خلال السنوات الأخيرة أوراشا اجتماعية واسعة النطاق، من تعميم الحماية الاجتماعية إلى إصلاح المنظومة الصحية وتوسيع برامج الدعم. غير أن التحدي يكمن في منهجية الإدماج الحقوقي. فهل تصاغ السياسات التنموية وفق تقييم منهجي للأثر الحقوقي؟ هل تربط الميزانيات بأهداف واضحة لتقليص الفوارق؟ وهل تتوفر آليات فعالة لمساءلة الفاعلين العموميين بشأن تحقيق النتائج؟

تقارير وطنية عدة أشارت إلى ضعف التنسيق الأفقي بين القطاعات، وإلى غياب مقاربة مندمجة لأهداف التنمية المستدامة. المشكلة ليست في غياب الإرادة السياسية، بل في صعوبة الانتقال من منطق البرامج القطاعية إلى منطق السياسات القائمة على الحقوق. فعندما ينظر إلى المواطن باعتباره مستفيدا من دعم اجتماعي، لا كصاحب حق يمكنه التتبع والطعن عند الاقتضاء، تظل العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة رعاية أكثر منها علاقة تعاقد دستوري.

يطرح التقرير كذلك مسألة العدالة المجالية باعتبارها اختبارا حقيقيا لمبدأ “عدم ترك أحد خلف الركب”. في المغرب، تحققت إنجازات مهمة في البنيات التحتية والخدمات الأساسية، لكن الفوارق بين الجهات والمجالات لا تزال قائمة. العدالة المجالية لا تتحقق فقط بتعميم البرامج، بل بإعادة توجيه الموارد وفق تحليل دقيق للاحتياجات، مع إشراك المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية في التقييم المستقل. إدماج البعد الحقوقي في السياسات العمومية يعني أيضا اعتماد أدوات لرصد الفئات الأكثر عرضة للإقصاء، وضمان وصولها الفعلي إلى الخدمات.

التنمية وسؤال الكرامة

على المستوى الدولي، لا يمكن فصل هذا التقرير عن السياق الأوسع المطبوع بأزمات متشابكة. العالم يعيش توترات اجتماعية، واختلالات اقتصادية، وتحديات مناخية غير مسبوقة. في ظل هذه التحولات، أصبح من الواضح أن النمو الاقتصادي وحده لا يضمن الاستقرار. التجارب الدولية تشير إلى أن التنمية التي تقصي المشاركة والمساءلة قد تحقق نتائج ظرفية، لكنها تنتج هشاشة سياسية واجتماعية على المدى الطويل. بالمقابل، فإن المقاربة القائمة على الحقوق، رغم تعقيداتها، تساهم في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة.

من داخل قاعة مجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث تعرض تجارب الدول وتناقش التحديات المشتركة، يبدو أن النقاش لم يعد يدور حول تحسين التقارير، بل حول تحسين أثر السياسات على حياة الناس. التنمية، حين تناقش على هذا المنبر الأممي، تختبر بميزان الكرامة لا بميزان المؤشرات فقط. بالنسبة للمغرب، يشكل هذا النقاش فرصة لتعميق التفكير في النموذج التنموي، وتعزيز إدماج حقوق الإنسان كإطار مرجعي لكل سياسة عمومية، بما يضمن استدامة المنجزات وعدالتها.

الرسالة التي يبعث بها التقرير واضحة في بساطتها وعمقها في آن واحد: التنمية التي تنفصل عن حقوق الإنسان قد تنتج أرقاما، لكنها لا تنتج مواطنة ولا ثقة. وفي المقابل، فإن الحقوق التي لا تترجم إلى سياسات عمومية ملموسة تظل شعارات معلقة. الرهان الحقيقي اليوم ليس في المفاضلة بين التنمية والحقوق، بل في دمجهما داخل رؤية واحدة تجعل الكرامة الإنسانية معيار التقييم النهائي لكل اختيار عمومي. وهذا التحدي، في السياق المغربي كما في السياق الدولي، ليس تقنيا فقط، بل سياسي وأخلاقي بالدرجة الأولى.

* صحافي وباحث في حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

141 مليون يورو.. اختراق مغربي جديد في سوق الطماطم الأوروبية

المقالات ذات الصلة