بقلم رميساء السحنوني
في المغرب اليوم يكفي أن تدخل إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتجد سيلا من الإعلانات التي تتكرر بنفس الصيغة تقريبا:
دورة تغير حياتك شهادة معترف بها تكوين يفتح لك أبواب الشغل، مستقبل مضمون…إلخ
خطاب جذاب مفعم بالأمل، لكنه موجه في العمق إلى فئة واحدة: الشباب القلق
لم يعد التكوين في كثير من الحالات اختيارا نابعا من فضول معرفي أو رغبة واعية في التعلم، بل صار رد فعل على الخوف: الخوف من البطالة، من الهشاشة، من الإقصاء، ومن الإحساس المتكرر بأن الجميع يتقدم وأنت في مكانك هنا يطرح السؤال نفسه :
هل نكون أنفسنا فعلا أم نشتري شعورا مؤقتا بالاطمئنان!
فخلال السنوات الأخيرة توسع مجال التكوين بشكل لافت، وأصبح جزءا من الحياة اليومية للشباب الباحث عن فرصة أو الموظف القلق على مستقبله أو حتى الحالم بتغيير مساره المهني والمعرفي. وفي هذا السياق، برز خطاب تدريبي جديد يعتمد بشكل كبير على الحكاية: مدرب يروي تجربته يحكي كيف بدأ من الصفر كيف تعثر وكيف “نجح”بلا بلا …الخ
في الظاهر يبدو الأمر إيجابيا. نعم لا ننكر، فالتجربة الشخصية تلهم وتقرب الفكرة وتشعر المتلقي بأن النجاح ممكن لكن مع تكرار الخطاب نفسه، نطرح سؤال بسيط :
هل يكفي أن نحكي قصة لكي نعلم ؟!
في عدد غير قليل من هذه الدورات يحتل السرد الشخصي مساحة أكبر من المحتوى نفسه، قصص نجاح تروى دون سياق، دون أدوات واضحة ودون حديث عن التعقيدات أو الفشل. تجربة فردية تقدم كأنها وصفة عامة صالحة للجميع وفي كل الظروف !
المشكل هنا ليس في التجربة الشخصية، فهي عنصر مهم في أي مسار تعليمي. بل حين تتحول إلى منتج يباع كطريق مختصر رغم أنها في الواقع حكاية فردية مرتبطة بسياق اجتماعي واقتصادي خاص، ولا يمكن تعميمها أو استنساخها، الأكثر إرباكا أن هذا الخطاب غالباما يحمل المتلقي المسؤولية كاملة إن لم تنجح فالمشكل فيك (لم تعمل بما يكفي، لم تختر التكوين الصحيح، هكذا يُعفى السياق وتعفى السياسات، ويترك الفرد في سباق لا ينتهي يراكم فيه الشهادات بدل أن يراكم الفهم للاسف !
وفي طرحي لهذه الإشكالية لا يمكن إنكار أن التكوين المستمر أصبح ضرورة في عالم سريع التغير، لأن له دور أساسي ومهم، لكن الفرق كبير بين تكوين يبني وعيا وقدرة حقيقية، وتكوين يبيع وعودا جاهزة بدون معنى. الأول يشرح ويضع الأمور في سياقها والثاني يراهن على الحماس ويترك المتدرّب وحيدا بين الوهم بعد انتهاء الدورة.
أمام هذا الواقع اليوم لا يكفي تشخيص المشكلة فقط بل لا بد من إعادة الاعتبار لجودة التكوين والفصل بين التجربة الشخصية والمحتوى التعليمي وتنظيم هذا القطاع بما يحمي الشباب من تسليع طموحهم.
ويبقى للمتلقي نفسه دور أساسي: الانتقال من سؤال أي دورة الآن؟ إلى سؤال أبسط وأصدق:
ماذا أحتاج فعلا أن أتعلم؟ ولماذا؟
وفي الختام الحفاظ على قطاع التكوين يبدأ بالوعي: وعي الشباب بأهمية السؤال قبل التسجيل ووعي الفاعلين بأن المعرفة مسؤولية لا خطابا فقط يكثر فيه الكلام ويغيب فيه المضمون، فحين نثمن الكفاءة والصدق نحمي هذا المجال ليبقى مساحة تعلم حقيقية لا سوقا للوعود السريعة.
في الحقيقة موضوع المقال يطرح إشكالية في غاية الأهمية لانعكاسها مباشرة على الشباب والمتاجرة بأحلامه و طموحه لتحسين مستواه المعيشي والمعرفي.
رميساء كنت موفقة في موضوع وشكل المقال.
شكرا لتعليقاتكم !
ممتاز واصل.