من إعداد الصحفيين الشباب: أميمة الفقير، ايناس الكواي، ياسمين كرموش، جنات الغازي، مريم فتاح، ادم بلفقيه
تحت إشراف الأستاذة: فاطمة الزهراء خمريش
شهدت سواحل مدينة الدار البيضاء خلال هذه السنة ( 2026 )اضطرابات بحرية متكررة تتمثل في أمواج عالية ورياحٍ قوية، وهو وضع أثر بشكل مباشر على نشاط الصيد البحري، حيث المشهد في الميناء يكشف عن عدد من القوارب التي اضطرت إلى التوقف مؤقتًا بسبب هيجان البحر، بينما انتظر البحارة تحسن الأحوال الجوية للعودة إلى نشاطهم المعتاد. وانعكست هذه الظروف على تزويد الأسواق المحلية بالمنتوج البحري و كذا على أسعار الأسماك . ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة، إشكالية الأمن الغذائي البحري في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تؤثر بوضوح على عدد من القطاعات الاقتصادية.

أصبحت الأحوال الجوية غير المستقرة عاملاً أساسياً يحدد وتيرة خروج قوارب الصيد إلى البحر، خصوصا بالنسبة لأسطول الصيد التقليدي الذي يشكل نسبة مهمة من الإنتاج المحلي. ويؤكد عدد من المهنيين العاملين في هذا القطاع أن هذه الوضعية أصبحت تتكرر بوتيرة أكبر مقارنة بالسنوات الماضية، الأمر الذي يجعل نشاط الصيد البحري أكثر هشاشة أمام التقلبات المناخية. فالرياح القوية والعواصف تجعل الإبحار محفوفًا بالمخاطر، خاصة بالنسبة للقوارب الصغيرة التي يصعب عليها مواجهة الظروف القاسية في عرض البحر.
وبطبيعة الحال، ينعكس هذا الوضع مباشرة على الأسواق. فالعلاقة بين البحر والأسعار علاقة مباشرة؛ إذ كلما تراجع نشاط الصيد انخفض العرض من الأسماك في الأسواق، وكلما انخفض العرض ارتفعت الأسعار، خصوصًا بالنسبة للأنواع الأكثر استهلاكًا من طرف الأسر ذات الدخل المحدود.
ولا تتوقف آثار هذه التقلبات عند حدود السوق فقط، بل تمتد أيضًا إلى الجانب الاجتماعي، حيث يفقد عدد من البحارة مصدر دخلهم اليومي كلما توقفت المراكب عن العمل بسبب سوء الأحوال الجوية، وهو ما يؤثر على الاستقرار المهني لفئة واسعة من العاملين في هذا القطاع الحيوي.
ولا يقتصر تأثير هذه التقلبات على نشاط الصيد فقط، بل يمتد أيضًا إلى البيئة البحرية نفسها. فارتفاع درجة حرارة مياه البحر واضطراب التيارات البحرية يؤثران على توزيع الأسماك ومناطق تجمعها. فبعض الأنواع مثل السردين الذي يعيش عادة في المياه السطحية، قد يهاجر نحو مناطق أبرد في الجنوب، بينما يتجه الأربيان نحو الأعماق عند تغير درجة حرارة المياه. ويؤدي هذا التحول إلى انخفاض مردودية الرحلات البحرية، كما يضطر الصيادون إلى قطع مسافات أطول بحثًا عن الأسماك، وهو ما يرفع من كلفة الرحلات وزيادة الوقود كما يؤثر على أرباحهم.

وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، يرى عدد من الخبراء أن التحدي الرئيسي الذي يواجه قطاع الصيد البحري في المغرب يتمثل في القدرة على التكيف مع واقع مناخي أكثر تقلبًا. فالتغيرات التي يعرفها المحيط لم تعد ظرفية موسمية فقط، بل أصبحت عاملاً مؤثرًا في استقرار سلاسل الإنتاج الغذائي البحري. لذلك يبرز دور التخطيط الاستباقي وتطوير آليات الرصد العلمي للبحار، إلى جانب دعم المهنيين بوسائل عمل أكثر قدرة على مواجهة الظروف المناخية الصعبة.
ولفهم هذه العلاقة بشكل أدق بين التقلبات الجوية وتوفر الأسماك في الأسواق، انتقل فريقنا الصحفي إلى المكتب الوطني للصيد البحري بالدار البيضاء ، حيث أجرينا حوارًا مع السيد عبد اللطيف الخصاصي ، مدير التسويق المالي بالمكتب الوطني للصيد البحري. و قد أجاب مشكورا على كل اسئلة الفريق و فتح لنا المجال لاكتشاف و التعرف على بعض مهام المكتب لتنظيم مجال الصيد البحري بالمغرب.
من أهم الأسئلة التي اجاب عليها كالتالي :
السؤال الأول: كيف تؤثر الأحوال الجوية على نشاط الصيد البحري وتوفر الأسماك في الأسواق؟
أوضح المسؤول أن الأحوال الجوية تؤثر بشكل مباشر على خروج القوارب إلى البحر وفي أماكن تواجد الأسماك. وأضاف قائلاً: “عندما تكون الظروف الجوية غير مستقرة، خاصة في حالات الرياح القوية أو هيجان البحر، يصبح الإبحار خطيرًا بالنسبة لعدد كبير من القوارب، خصوصًا الصغيرة منها، مما يفرض التوقف المؤقت عن العمل حفاظًا على سلامة البحارة. وأشار إلى أن هذا التوقف ينعكس مباشرة على الكميات المصطادة التي تصل إلى الأسواق، حيث يؤدي انخفاض العرض إلى احتمال ارتفاع الأسعار خلال تلك الفترات. كما أكد أن الصيادين يعتمدون بشكل كبير على النشرات الجوية الرسمية لتحديد فترات الإبحار المناسبة، مع الالتزام بإجراءات السلامة البحرية.

السؤال الثاني: ما هي الاستراتيجيات والتدابير المعتمدة لضمان استدامة الصيد وسلامة الصيادين؟
أكد المصدر ذاته أن الاستراتيجيات المعتمدة تقوم أساسًا على احترام فترات الراحة البيولوجية التي تسمح للأسماك بالتكاثر، إضافة إلى تنظيم الصيد الموسمي وتجنب صيد الأسماك الصغيرة حفاظًا على المخزون السمكي. كما يتم اعتماد معدات وتقنيات أكثر ملاءمة للبيئة البحرية بهدف الحد من التأثيرات السلبية على الثروة السمكية.
وأضاف أن البحث العلمي يلعب دورًا مهمًا في تتبع تطور المخزون السمكي واتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة، ومن بين الحلول المطروحة كذلك تطوير تربية الأحياء المائية، باعتبارها بديلاً يمكن أن يساهم في تعويض جزء من النقص الذي قد تعرفه الكميات المصطادة خلال فترات هيجان البحر.
ومن جهة أخرى، يشكل تدبير المنتوج بعد تفريغه في الموانئ عاملاً مهمًا في التخفيف من آثار نقص الكميات. فتحسين ظروف التخزين والتبريد مع احترام معايير الجودة و كذا تثمين المنتوج ، وتسريع عمليات التوزيع نحو الأسواق، كلها إجراءات تساعد على الحد من الخسائر والحفاظ على القيمة التجارية للأسماك.
كما يمكن ربط هذه الظاهرة بوعي المستهلكين بأهمية حماية الموارد البحرية. فالتغيرات المناخية لا تؤثر فقط على الصيادين أو الأسواق، بل تمس كذلك العادات الغذائية للمجتمع. ومع تراجع بعض الأنواع خلال فترات معينة، يصبح من الضروري تشجيع الاستهلاك المسؤول للأسماك واحترام المواسم الطبيعية للصيد، كما يساهم تجنب صيد الأسماك الصغيرة في الحفاظ على المخزون السمكي للأجيال القادمة باعتبار السمك مصدر أساسي للبروتين و عناصر غذائية مهمة للصحة.
في الختام، لم يعد هيجان البحر بمدينة الدار البيضاء مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بموسم معين، بل أصبح مؤشرًا واضحًا على تأثير التغيرات المناخية في سلسلة الغذاء البحري بأكملها، من مرحلة الإصطياد من البحر إلى مرحلة الاستهلاك داخل البيوت. ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على توازن دقيق بين حماية الثروة البحرية وضمان استمرار هذا القطاع الحيوي الذي يوفر الغذاء وفرص العيش لآلاف الأسر.
روابط المصادر:Bibliographie
https://www.agriculture.gov.ma
https://www.un.org/ar/climatechange/science/climate-issues/human-security