متى تصبح الأحزاب المغربية شريكاً حقيقياً في الحكم؟

بقلم الدكتور أحمد أزوغ

في أحد التجمعات السياسية الأخيرة، صرح عبد الإله بنكيران بأن “المغرب يحكمه الملك ولا يحكمه لا البرلمان ولا الحكومة”. وربما كان يقصد بذلك توجيه توصيف مبسط لطبيعة النظام السياسي المغربي والإعلاء من قدر الملك عن حسن نية، لكن أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه غير دقيق. فتوصيف كهذا يصلح للدول الديكتاتورية ولا يصلح لبلدان سائرة على طريق الديمقراطية كبلدنا باعتراف المؤسسات الدولية. فالدستور المغربي واضح في تحديد اختصاصات المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان وباقي المؤسسات الدستورية، ولكل منها وظائف وصلاحيات ومسؤوليات لا يمكن إنكار وجودها أو اختزالها. لكن عبارته أعادت إلى الواجهة سؤالاً أعمق بكثير من السجال الحزبي العابر: هل المشكلة في ما إن كانت الملكية هي من يحكم المغرب وحدها، أم في أن المغرب يشهد عجزا مزمنا لدى جزء من نخبته السياسية عن تحمل مسؤولياتها الدستورية والتاريخية؟

منذ سنوات، تتكرر الإحالة على الملكية البرلمانية تصريحا أم تعريضا، وكأن الديمقراطية مجرد عملية نقل للصلاحيات من الملك إلى الأحزاب. والحقيقة أن الديمقراطية ليست نقلا للسلطة فقط، بل نقلا للمسؤولية أيضاً. والسؤال الذي يتجنبه كثيرون هو: من سيتحمل هذه المسؤولية؟ هل هي الأحزاب التي تعجز عن تجديد نخبها؟ والتي لا يسمع المواطن صوتها إلا في المواسم الانتخابية؟ أم التي تقضي جزءاً كبيراً من وقتها في الصراعات الداخلية والتحالفات الظرفية وتبادل الاتهامات؟ إننا أمام مطالبات تشبه أبناءً يريدون تسيير البيت بينهم وترك الأب رمزاً لوحدتهم فقط. لكن هل هؤلاء الأبناء راشدون بما فيه الكفاية لتحمل المسؤولية المشتركة؟ هل هم قادرون على تدبير الخلافات بينهم دون أن يتحول البيت إلى ساحة صراع؟ وهل أثبتوا أصلاً أنهم قادرون على إدارة شؤونهم الخاصة قبل المطالبة بدور أكبر في إدارة البيت؟ فبنكيران نفسه وصف التنافس الانتخابي المقبل بالحرب والمعركة في نفس الخطاب، فماذا ينتظر أن يقع لو استحوذت الأحزاب على السلطة لوحدها ؟

لقد منح دستور 2011 للأحزاب والحكومة والبرلمان صلاحيات واسعة مقارنة بما كان عليه الوضع سابقاً. لكن هل استُثمرت هذه الصلاحيات بالشكل الذي يقنع المغاربة بأن هذه المؤسسات جاهزة لتحمل المزيد؟ الواقع أن المواطن ما زال يلجأ في وعيه الجماعي إلى المؤسسة الملكية كلما تعلق الأمر بالقضايا الكبرى أو بالأزمات التي تعجز المؤسسات الأخرى عن حلها. والمفارقة أن السياسيين الذين يشتكون من مركزية القرار، هم أول من ينتظر التدخل الملكي عندما تتعثر الحكومة أو تتعقد الملفات أو تتعطل المشاريع. 

لكن المغرب ليس استثناءً في هذا الأمر. فالتجارب الدولية الناجحة تُظهر أن فترات الإقلاع الاقتصادي الكبرى ارتبطت في كثير من الأحيان بوجود سلطة مركزية قوية قادرة على فرض رؤية استراتيجية طويلة المدى وضمان استمرارية السياسات العمومية بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة. فسنغافورة تحت قيادة Lee Kuan Yew، واليابان خلال مرحلة إعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية، وفيتنام خلال مسار إصلاحاتها الاقتصادية، كلها نماذج لدول لم تجعل الصراع السياسي أولوية قبل بناء الاقتصاد والمؤسسات. فقد راهنت أولاً على الاستقرار والانضباط الاستراتيجي واستمرارية القرار العمومي، قبل أن تتوسع تدريجياً مجالات المشاركة والتنافس السياسي. ولا يعني ذلك أن الديمقراطية عائق أمام التنمية، بل إن التنمية نفسها تحتاج في مراحل معينة إلى مؤسسات مركزية قوية قادرة على الحفاظ على الاتجاه العام للدولة ومنع التردد والتقلب في الخيارات المصيرية.

وفي هذا السياق، يصبح وجود مؤسسة قوية ومستقرة وقادرة على رسم ظل الرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى عاملاً من عوامل القوة، لا عقبة أمام التطور السياسي. إنني أجزم أننا محظوظون في المغرب بملكية ضامنة للاستقرار وقائدة للتطور الحضاري والاقتصادي المتسارع الذي يعيشه الوطن. فهل يتصور أحد اليوم أن الأحزاب المغربية، بوضعها الحالي، قادرة على إنتاج مخططات استراتيجية ممتدة لعقود في مجالات الموانئ والسكك والطيران والصناعة والطاقة والماء والرياضة والحماية الاجتماعية؟ وهل أثبتت أنها تملك من الاستمرارية والكفاءة ما يؤهلها لقيادة مشاريع تتجاوز عمر الحكومات والولايات الانتخابية؟ وهل أدمجت الأطر والكفاءات العلمية والتقنية وأنتجت دراسات استراتيجية بما يجعلها قوة اقتراحية لسياسات عامة قوية ؟ إن الملكية، التي تتحمل اليوم العبء الأكبر في القيادة الاستراتيجية للدولة، لم تتوقف يوماً عن مطالبة الأحزاب بتحمل نصيبها من المسؤولية الدستورية، سواء في تأطير المواطنين، أو تدبير الشأن العام، أو إنتاج النخب والكفاءات، أو تجديد قياداتها وأفكارها. لكن المؤسف أن كثيراً من هذه النداءات ظلت دون تجاوب حقيقي، أمام أحزاب انشغل أغلبها بالتنافس على المواقع أكثر من انشغالها ببناء المؤسسات والرجال والأفكار التي تحتاجها البلاد.

لقد جانب بنكيران الصواب في هذا التوصيف رغم حسن نيته، بل لعل تصريحه جاء بنتيجة معاكسة لما أراد إثباته. فعندما يردد رئيس حكومة سابق هذا الخطاب، فهو يعترف، من حيث لا يدري، أن هذه الأحزاب لم تنجح في ممارسة الأدوار التي منحها لها الدستور، ولم تتحمل مسؤوليتها في اقتراح السياسات العمومية وصناعة البدائل ومراقبة التنفيذ وتوجيه النقاش الوطني. والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يرسل للمواطن رسالة سلبية: إذا كان الملك هو من يحكم، فما جدوى الأحزاب؟ وما جدوى البرلمان؟ وما جدوى الانتخابات؟ وما جدوى التنافس المحموم على المقاعد؟ إن الأحزاب التي تقضي سنوات في الصراع من أجل الوصول إلى المؤسسات ثم تقنع الناس بأن هذه المؤسسات لا تملك سلطة حقيقية، إنما تهدم الثقة في العمل السياسي وتفرغ الديمقراطية من معناها بيدها قبل أن يتهمها أي طرف آخر بذلك. 

لقد اختار المغاربة، عبر دستور 2011، بناء ديمقراطية واقعية متقدمة تحافظ على استقرار الدولة، لا مطاردة نموذج ديمقراطي مثالي في النصوص والشعارات مهما كانت تداعياته على الأمن والاستقرار والتنمية. لكنهم ينتظرون أيضاً من الأحزاب، التي منحها الدستور مكانة محورية في تدبيرا لشأن العام وقيادة الحكومة، أن تثبت أنها جديرة بهذه الثقة، وأن تتحول من آلات انتخابية إلى مؤسسات مسؤولة تصنع الأفكار والسياسات والقيادات، وتكون شريكاً حقيقياً في تنزيل الرؤية الاستراتيجية للملك لا مجرد متفرج عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

ابتدائية بنسليمان تدين المتهمين في قضية تحريض طفل على تناول مشروب كحولي

المنشور التالي

أكادير.. نجاح أول عملية لعلاج سرطان الخلايا الكبدية بتقنية حديثة

المقالات ذات الصلة