عيد العرش (ملف خاص).. المغرب وبريطانيا.. انطلاقة مرحلة متجددة في الشراكة السياسية والاقتصادية

في الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، تتجدد مناسبات التأكيد على متانة العلاقات المغربية-البريطانية التي تتسم اليوم بمنعطف استراتيجي عميق، يجمع بين دعم سياسي راسخ ومصالح اقتصادية متنامية وروابط ثقافية متجددة. ويأتي هذا العيد الوطني لملك المملكة المغربية، محمد السادس وللشعب المغربي ليعيد تسليط الضوء على الإنجازات الدبلوماسية والاقتصادية التي رسخت مكانة المغرب كشريك مفضل وبوابة اقتصادية مرنة نحو إفريقيا والعالم، خاصة في ظل شراكة تاريخية تمتد لأكثر من ثمانية قرون مع المملكة المتحدة.

شهدت هذه السنة تطورا مهما في الموقف البريطاني تجاه قضية الصحراء المغربية، حيث جددت لندن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل سياسي واقعي ودائم للنزاع الإقليمي المفتعل، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، خلال زيارته للرباط في يونيو 2025. أكد الوزير أن مخطط الحكم الذاتي المغربي يمثل “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق” للتوصل إلى تسوية دائمة.

ويترجم هذا الدعم تحولا سياسيا استراتيجيا لبريطانيا، يتجاوز الحسابات الضيقة إلى التزام واضح يدعم الجهود الأممية في هذا الملف، ويعكس احترام المملكة المتحدة للقانون الدولي وللمبادئ الأساسية التي تحكم العلاقات بين الدول. كما أن هذا الموقف يشكل دفعة قوية لتعزيز العلاقات الثنائية التي تراكمت على مدار التاريخ، ويرسم آفاق تعاون جديدة ومستدامة.

ويعتبر هذا الدعم أيضا إقرارا عمليا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، حيث تؤكد لندن أن الاتفاقيات التجارية والاستثمارية مع المغرب تطبق على كامل أراضيه بما يتوافق مع الموقف الرسمي البريطاني والقانون الدولي، من دون أي استثناء أو تمييز. كما أن التنسيق المستمر بين وزارة الخارجية ووزارة التجارة البريطانية يؤكد حرص الحكومة على دعم المبادلات الاقتصادية التي تعود بالنفع على كلا البلدين.

تتزامن هذه الخطوة السياسية مع حزمة من الاتفاقيات الاقتصادية التي تؤسس لحقبة جديدة من الشراكة الاقتصادية بين البلدين، حيث يشهد المغرب تحولا مهما في جاذبية الاستثمار على الصعيد الإفريقي، وأصبح مركزا استراتيجيا يجمع بين الاستقرار المؤسساتي والتشريعات المرنة والبنية التحتية المتطورة، ما يميز المملكة كوجهة مفضلة لرأس المال الاستثماري الأجنبي، خصوصا من صناديق الاستثمار الخاصة ذات التوجه طويل الأمد. هذا التموقع يعكس قدرة المغرب على استقطاب مشاريع ضخمة وتسهيل عمليات التمويل عبر شراكات قوية بين القطاعين العام والخاص.

وبرزت في هذا السياق صناديق استثمار دولية كبرى مثل “شركاء التنمية الدولية” (DPI)، التي تستخدم المغرب منصة إقليمية لاستثماراتها في قطاعات متعددة مثل الزراعة، الصناعة التحويلية، والتوزيع التجاري. فقد استثمر صندوق DPI في دمج شركتي “CMGP” و”CAS” لتشكيل منصة شاملة في أنظمة الري والتجهيزات الفلاحية، تمتد عملياتها من المغرب إلى إفريقيا جنوب الصحراء، كما نجح في إدراج شركة “CMGP” في البورصة، ما يعزز الشفافية وجذب المزيد من المستثمرين. وفي الصناعة التحويلية، استحوذت شركة “دولي دول” التي يمولها الصندوق على شركات خليجية مثل “Intercoil”، ما يعكس استراتيجية توسيع النطاق الصناعي المغربي خارج حدوده الجغرافية. كما شارك الصندوق في تمويل توسع سلسلة “Kazyon” للتوزيع منخفض التكلفة داخل السوق المغربية، ما يعزز المنافسة ويوسع الخيارات الاستهلاكية لفئات واسعة من المجتمع. إلى جانب ذلك، تنخرط صناديق مثل “Helios Investment Partners” و”Alta Semper Capital” في السوق المغربية ضمن خطط توسعية إقليمية تعكس جاذبية المغرب كبوابة اقتصادية شمال إفريقية.

وتتجاوز الاستثمارات المغربية البريطانية القطاعات التقليدية لتشمل مجالات استراتيجية تنموية مثل الأمن الغذائي، الزراعة الذكية، الخدمات اللوجستية العابرة للحدود، والتوزيع منخفض التكلفة، مما يعكس توجهًا نحو تنويع الاقتصاد المغربي وربطه بسلاسل القيمة الإقليمية، إضافة إلى توفير فرص استثمارية مستدامة تضمن النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل.

وفي هذا السياق، وضعت لندن إطارا ماليا مرنا بقيمة 5 مليارات جنيه إسترليني لدعم المشاريع بالمغرب، عبر ضمانات سيادية تتيح تمويلات ميسرة للشركات البريطانية والمغربية معا، خاصة في قطاعات البنية التحتية، الطاقة المتجددة، والصناعة. كما أن اتفاقيات الشراكة التجارية بين البلدين تطبق على كامل التراب المغربي بما في ذلك الأقاليم الجنوبية، ما يعزز من ثقة المستثمرين ويكرس المغرب مركزا محوريا للاستثمار والتجارة في شمال إفريقيا وأفريقيا بشكل عام.

تتوقع السلطات استقبال أكثر من مليون سائح بريطاني خلال 2025، في ظل تنامي الرحلات الجوية المباشرة إلى المغرب وتنوع الوجهات السياحية بين المدن التاريخية والطبيعية.

وفي السياق ذاته, تعكس أرقام السفر والسياحة نموا ملحوظا في تدفق السياح البريطانيين إلى المغرب خلال صيف 2025، حيث سجلت منصة Booking.com ارتفاعا بنسبة 39% في عمليات البحث عن عطلات الصيف بالمغرب مقارنة بنفس الفترة من 2024. ويأتي هذا التزايد في ظل ارتفاع تكاليف السفر في الوجهات الأوروبية التقليدية، ما جعل المغرب خيارا ذكيا يجمع بين الجودة والأسعار التنافسية.

كما شهدت حركة النقل الجوي ارتفاعا كبيرا، مع توقعات بزيادة عدد الرحلات البريطانية المتجهة إلى شمال إفريقيا إلى أكثر من 19,847 رحلة خلال 2025، وهو أكثر من ضعف الرحلات المسجلة قبل جائحة كورونا. وتبدي شركات السفر الكبرى مثل TUI طلبا متزايدا على المغرب كوجهة سياحية مفضلة.

ويستفيد المغرب من عوامل أساسية مثل الأسعار التنافسية، تحسين جودة الخدمات الفندقية، وتنوع العرض السياحي الثقافي والطبيعي، مما يجعله منافسا قويا ضمن السوق البريطانية ووجهة مفضلة لدى البريطانيين، إلى جانب دوره في تنمية الروابط الثقافية والتعليمية، مثل توسع المدارس والجامعات البريطانية في المغرب، التي تدعم تعميم تعليم اللغة الإنجليزية وتوفير فرص دراسية دولية للجيل الصاعد.

تتجسد هذه العلاقة المتجددة بين الرباط ولندن في روح التعاون التي تؤكدها تصريحات ومواقف كبار المسؤولين البريطانيين من مختلف الأحزاب السياسية، والتي ترى في المغرب قوة استقرار وإقليمية رائدة، وقوة دافعة للسلام والتنمية في شمال إفريقيا.

وفي ظل الرؤية الملكية السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، فإن المغرب والمملكة المتحدة يستعدان لدخول مرحلة جديدة من الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والرؤية الاستشرافية للمستقبل، التي تفتح آفاقا واسعة في مجالات السياسة، الاقتصاد، والثقافة والتعليم العالي.

ومع اقتراب موعد تنظيم المغرب لكأس العالم 2030، تستمر الشراكة بين البلدين في النمو، لتشمل مجالات البنية التحتية، النقل، الطاقة، والرياضة، الدفاع, والمياه, والصحة, مما يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي استراتيجي في القارة الإفريقية وعلى الصعيد الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

المغاربة يخلدون عيد العرش: ذاكرة وطنية تجسد تلاحم العرش والشعب

المنشور التالي

عيد العرش (ملف خاص).. سفيرة السودان تؤكد لـTHE PRESS عمق التعاون بين الخرطوم والرباط

المقالات ذات الصلة