أعادت الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة إلى الواجهة سؤال الاستعداد الحقيقي لمواجهة الكوارث الطبيعية، في ظل تزايد حدة الظواهر المناخية المتطرفة بالمغرب. فبينما خلفت السيول خسائر مادية كبيرة وأثرت على أحياء وبنيات تحتية، يربط خبراء هذه الأحداث بسياق أوسع من التغيرات المناخية التي يعرفها العالم، والتي لم تعد توقعات مستقبلية، بل واقعا ملموسا.
في هذا السياق، أوضح خبير المناخ جلال معطى في تصريح خص به THE PRESS، أن فيضانات القصر الكبير ليست حادثا معزولا أو ظرفيا، بل تندرج ضمن نمط مناخي جديد يتميز بتساقطات غزيرة في مدد زمنية قصيرة، مقابل فترات جفاف طويلة، وهو ما تؤكده التقارير العلمية الدولية حول التغير المناخي.
وأوضح معطى أن الكرة الأرضية تعرف تغييرات مناخية عميقة، تعود بالأساس إلى الدور المتزايد للإنسان في انبعاث الغازات الدفيئة، ما أدى إلى الاحترار العالمي واختلال أنماط الطقس والمناخ، بما في ذلك تغير حركة الكتل الهوائية والمنخفضات والمرتفعات الجوية على الصعيد العالمي.
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن هذه التحولات أثرت بشكل مباشر على انتظام الفصول وتوزيع التساقطات ودرجات الحرارة، وهو ما تؤكده تقارير التقييم الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، والتي تقدم إسقاطات دقيقة حول مستقبل المناخ، خصوصا فيما يتعلق بدرجات الحرارة وكميات التساقطات.
وفي السياق المغربي، ذكر الخبير بأن المملكة عاشت ما يقارب سبع سنوات متتالية من الجفاف القاسي، تميزت بارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، مشيرا إلى أن سنة 2023 سجلت كإحدى أكثر السنوات حرارة منذ مدة طويلة، وفق ما أكدته التقارير العلمية الدولية. معتبرا أن هذه المرحلة تمثل أحد أبرز تجليات التغير المناخي، حيث أدى ارتفاع الحرارة إلى جفاف فلاحي وهيدرولوجي، مس الموارد المائية الموجهة للفلاحة، ومياه الشرب، وباقي الأنشطة الاقتصادية.
وفي المقابل، شدد معطى على أن الفيضانات تعد الوجه الآخر للأزمة المناخية نفسها، موضحا أنها ناتجة أساسا عن تساقطات مطرية غزيرة تسجل في فترات زمنية قصيرة، بدل أن تكون موزعة بانتظام على مدار السنة. وهو ما يجعل التربة والبنيات التحتية غير قادرة على استيعاب هذه الكميات، فتقع السيول والفيضانات.
وأكد أن هذا النمط المناخي “مؤصل علميا”، وتنبأت به مختلف النماذج والإسقاطات المناخية، التي حذرت بوضوح من ظاهرتين أساسيتين يجب الاستعداد لهما، وهما الجفاف والفيضانات، باعتبارهما من أبرز آثار التغير المناخي في منطقة شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
وأضاف الخبير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في معرفة هذه المخاطر، لأنها معروفة علميا منذ 10 إلى 15 سنة، وجرى التنبيه إليها في قمم المناخ وتقارير الأمم المتحدة، بل في مدى استعداد السياسات العمومية والبنيات التحتية لمواجهتها. وتساءل: “إذا كنا نعلم أن هذه الكوارث قادمة، فلماذا لم نضع استراتيجيات فعالة للتكيف معها، علما أن كلفة التكيف أقل بكثير من كلفة الخسائر البشرية والمادية التي نؤديها اليوم؟”.
وأوضح معطى أن التغير المناخي يساهم في رفع حدة هذه الظواهر، لكنه شدد في المقابل على أن التكيف مع آثار التغير المناخي هو مجهود وطني وترابي بالأساس، على عكس التخفيف من الانبعاثات الذي يعد مسؤولية عالمية مشتركة.
وفي هذا الإطار، دعا إلى تقييم مدى هشاشة القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الماء، الفلاحة، البنيات التحتية، الأحياء السكنية، الغابات، الصحة والسياحة، متسائلا عما إذا كانت البرامج والمشاريع الحالية تأخذ فعلا التغير المناخي بعين الاعتبار، أم ما زالت تتعامل مع هذه الظواهر بمنطق ظرفي.
كما شدد المتحدث ذاته، على أهمية أنظمة الإنذار المبكر، والتنبؤات الجوية المبنية على رصد التغيرات في التساقطات، لكنه اعتبر أن الأساس يظل هو جاهزية البنية التحتية وقدرتها على تدبير الندرة كما تدبير الوفرة، سواء تعلق الأمر بالجفاف أو بالفيضانات.
وختم خبير المناخ تصريحه بالتأكيد على أن ما وقع بمدينة القصر الكبير، كما حدث سابقا في آسفي والمغرب الشرقي ومناطق أخرى، يجب أن يقرأ كرسائل إنذار ودروس عملية، داعيا إلى اعتماد تخطيط مجالي استراتيجي يضع التكيف مع التغيرات المناخية في صلب السياسات العمومية، حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها مستقبلا.