أحمد نور الدين: المغرب يوازن بين دعم الخليج وتفادي نيران الحروب

في سياق إقليمي متوتر يتسم بتصاعد الصراعات وتداخل المصالح الدولية، يبرز المغرب كفاعل يعتمد مقاربة خاصة تقوم على دعم سيادة الدول العربية، خصوصا في منطقة الخليج، دون الانخراط المباشر في الحروب. هذه السياسة التي تبدو في ظاهرها حذرة، تخفي في عمقها رؤية استراتيجية متكاملة، مبنية على التحالفات التاريخية، والمصالح المتبادلة، والعمل الاستباقي لتفادي الانزلاقات الخطيرة. في هذا الحوار الذي خص به THE PRESS، يشرح الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في شؤون الصحراء، أحمد نورالدين أبعاد هذه المقاربة وحدودها.

الدعم المغربي لدول الخليج يندرج ضمن تحالف استراتيجي عميق يربط المملكة بهذه الدول، مع تفاوت في درجات الشراكة من بلد لآخر، لكنه في المجمل يظل تحالفا متينا ومتعدد الأبعاد. هذا الدعم لا يسير في اتجاه واحد، بل هو متبادل، وقد أثبتت الأحداث التاريخية والأزمات التي مر منها الطرفان مدى مصداقيته وقوته، من خلال وفاء كل طرف بالتزاماته تجاه الآخر.

في الظرفية الحالية، عبر المغرب منذ اللحظات الأولى عن إدانته لما وصفه بالعدوان الإيراني غير المبرر على دول الخليج، وهو عدوان لم يقتصر على أهداف عسكرية، بل طال البنيات التحتية المدنية، من مطارات وموانئ ومراكز تجارية ومنشآت نفطية، بل وحتى أبراج سكنية وفندقية، وهو ما يفند الادعاءات التي حاولت حصر الضربات في قواعد عسكرية فقط. بل إن هذه الادعاءات تسقط حين نلاحظ أن إيران لم تستهدف قواعد أمريكية في دول مجاورة لها جغرافيا مثل تركيا.

لكن الدعم المغربي لا يقف عند حدود المواقف السياسية، بل يمتد إلى مستويات أكثر عمقا. فالمغرب حاضر في التخطيط الاستراتيجي من خلال أركان الحرب، ويساهم ميدانيا عبر خبرائه العسكريين وطياريه، وقد شهدنا مؤخرا استشهاد أحد الضباط المغاربة في البحرين. كما يضطلع بدور أساسي من خلال أجهزته الاستخباراتية والأمنية، التي تعتبر عنصرا حاسما في كسب المعارك الحديثة. إلى جانب ذلك، يوفر المغرب بدائل اقتصادية ولوجستية، من خلال احتضان أنشطة شركات تبحث عن بيئة آمنة، وتأمين سلاسلها التجارية، وهو ما يعكس شمولية الدعم المغربي في الجانبين المدني والعسكري.

في عالم معولم لم يعد ممكنا الحديث عن مصالح وطنية صرفة بمعزل عن الالتزامات الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات مع الحلفاء. فالمصلحة الوطنية تفرض على الدول بناء تحالفات عابرة للحدود لضمان أمنها واستقرارها، سواء في زمن السلم أو الحرب، إذ لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تعيش في عزلة.

كما أن الأزمات تشكل اختبارا حقيقيا لصلابة الشراكات الاستراتيجية، وهي التي تمنح الدول وزنها الدولي، من خلال مدى وفائها بالتزاماتها. وفي هذا السياق، يجب التذكير بالدعم الذي قدمته دول الخليج للمغرب في قضاياه المصيرية، وعلى رأسها قضية الصحراء، حيث ساهمت هذه الدول في المجهود الحربي، خاصة عبر تخفيف أعباء الطاقة، في مواجهة تحديات إقليمية كبرى خلال حرب الاستنزاف التي دامت سنوات طويلة.

في المقابل، لم يتأخر المغرب في الوقوف إلى جانب هذه الدول في محطات مفصلية، من بينها مشاركة آلاف الجنود المغاربة في الدفاع عن السعودية خلال حرب الخليج، واستجابته لنداء التحالف سنة 2015، إضافة إلى مواقف سياسية حازمة، مثل قطع العلاقات مع إيران سنة 2009 بسبب تهديدات استهدفت أمن البحرين.

أما على مستوى العلاقات الثنائية، فقد تجاوز التعاون مع بعض الدول الخليجية الأشكال التقليدية، ليصل إلى مستويات متقدمة جدا. فالعلاقة مع الإمارات، مثلا، تطورت إلى ما يشبه تحالفا شبه فدرالي، حيث ساهم المغرب في بناء مؤسساتها، بينما دعمت الإمارات مشاريع كبرى داخل المغرب. كما ساهمت الكفاءات المغربية في تطوير قطاعات حيوية في سلطنة عمان وقطر، بما في ذلك مجالات التعليم، القضاء، المال، والخدمات، وصولا إلى الدور الأمني البارز في تأمين تظاهرات دولية كبرى مثل مونديال 2022.

بالفعل، المغرب أصبح ينظر إليه كدولة مصدرة للاستقرار، وهي صفة لم تأت من فراغ، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات المتزنة. فالمملكة تساهم منذ عقود في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما تلعب أدوارا ريادية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

إضافة إلى ذلك، يحتضن المغرب مبادرات ومؤسسات دولية تهدف إلى تعزيز الأمن وبناء القدرات، خصوصا في إفريقيا، كما أن تعاونه الأمني مع شركاء دوليين ساهم في إحباط تهديدات خطيرة خارج حدوده، وهو ما يعزز الثقة في كفاءته ومصداقيته.

وعلى صعيد الوساطة، قدم المغرب نموذجا واضحا خلال الأزمة الخليجية، حيث اختار نهج التهدئة وعدم الاصطفاف، رغم حساسية الموقف. هذا الخيار، الذي لم يكن مفهوماً في بدايته لدى بعض الأطراف، أثبت مع مرور الوقت صوابيته، خاصة إذا ما تصورنا السيناريو الذي كان يمكن أن تعيشه المنطقة لو تطورت الأزمة إلى صراع مفتوح.

المغرب واع بحجم التحديات، لكنه في المقابل يمتلك خبرة كبيرة في إدارة التوازنات. فإلى جانب مواقفه العلنية، يشتغل أيضا على مستوى دبلوماسي هادئ خلف الكواليس، بهدف تجنيب المنطقة سيناريوهات خطيرة، خاصة احتمال انزلاق دول الخليج إلى حرب مفتوحة مع إيران.

مثل هذا السيناريو، حتى في حال تفوق عسكري مؤقت، قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد، وتدمير للبنيات الاقتصادية التي بنتها هذه الدول على مدى عقود، خصوصا في مجالات الاستثمار والتجارة والخدمات. كما أن حربا بهذا الحجم قد تستمر لسنوات، وربما لأجيال، خاصة إذا تزامنت مع انسحاب أو تراجع الدعم الدولي.

الأخطر من ذلك، أن مثل هذه الحروب قد تخدم أجندات قوى دولية، حتى تلك التي تبدو اليوم حليفة، وتسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة. من هنا، يبرز الدور المحوري للمغرب، ليس فقط كحليف، بل كقوة توازن تحاول منع الانفجار، مستندة إلى عمقها التاريخي ومصداقية شراكاتها.

لذا فالمغرب لا يتحرك بمنطق رد الفعل، بل وفق رؤية استراتيجية تسعى إلى تحقيق معادلة صعبة: دعم الحلفاء، حماية المصالح الوطنية، والمساهمة في استقرار إقليم يعيش على حافة الانفجار. هذه الدبلوماسية الهادئة قد لا تكون صاخبة، لكنها في العمق إحدى أكثر الأدوات تأثيرا في زمن الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشور السابق

المغرب يعزز شراكاته الأمنية مع ليبيريا وإندونيسيا

المنشور التالي

المغرب يسرع مشاريع البنية التحتية المائية بحوض اللكوس

المقالات ذات الصلة