بقلم الدكتور أحمد أزوغ: كاتب عام المنتدى المغربي للكفاءات والنخب
منذ المشاهد المؤسفة التي عرفتها سبتة، سارعت وسائل إعلام أوروبية، ومعها بعض الأصوات السياسية، إلى تحميل المغرب مسؤولية ما وقع، وكأن الرباط وحدها مطالبة بمنع كل راغب في الهجرة من الوصول إلى الضفة الأخرى. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقائق اقتصادية وسياسية تجعل من اختزال المسؤولية في المغرب قراءة قاصرة لواقع أعقد بكثير.
وإذا كنا في مقالنا السابق، “الشباب المغربي ووهم الحلم الأوروبي”، قد وجهنا النقد إلى الداخل، مؤكدين مسؤولية الدولة والمجتمع في تأطير الشباب وتحصينهم من الأوهام والدعايات المضللة، فإن الإنصاف يقتضي اليوم أن نوجه البوصلة نحو الضفة الأخرى، وأن نناقش المسؤوليات الواقعة على عاتقها، ونبرز التناقضات التي تشوب الخطاب الأوروبي في تعاطيه مع قضية الهجرة.
إن المستهجن حقًا في مشاهد سبتة ليس الهجرة في حد ذاتها، فالهجرة طبيعة بشرية وستظل قائمة ما دامت الفوارق الاقتصادية قائمة، وإنما المستهجن هو الطريقة الكارثية والمهينة والمحفوفة بالمخاطر التي جرى بها العبور، بما حملته من تهديد للأرواح وامتهان لكرامة الإنسان.
لكن المغرب ليس حارسًا لأسوار أوروبا، وليس “ڤيدورًا” يقف خارج القاعة ليحرس حفلة تقام في الداخل. فحماية الحدود الأوروبية مسؤولية أوروبية أولًا، يساهم فيها المغرب من باب المسؤولية والمصالح المشتركة. ثم إن الحد من الهجرة غير النظامية لا يتحقق فقط بتشديد الحراسة على الحدود، بل يبدأ بتجفيف دوافعها. فلا يمكن، من جهة، أن تُبعث رسائل سياسية أو قضائية توحي بإمكانية الاستقرار بعد الوصول، ثم يُطلب، من جهة أخرى، من المغرب وحده أن يمنع الناس من العبور.
إن من قصر النظر السياسي تجاهل أثر السياسات التي انتهجتها إسبانيا خلال السنة الأخيرة، سواء عبر برامج تسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين، أو عبر بعض القرارات القضائية التي حدّت من الإعادة الفورية، وما رافق ذلك من تغطيات إعلامية وتأويلات واسعة أوحت لكثيرين في بلدان المنشأ بأن الوصول إلى التراب الإسباني قد يفتح، عاجلًا أو آجلًا، باب تسوية الوضع القانوني. وليس من قبيل المصادفة أن يحذر المسؤولون المغاربة وعدد من السياسيين الأوروبيين أنفسهم من أن مثل هذه السياسات قد تتحول إلى عامل جذب إضافي للهجرة غير النظامية.
ومن مظاهر الازدواجية، بل والكسل التحليلي لدى بعض الإعلاميين الأوروبيين، اتهام السلطات المغربية بالتساهل لأنها لم تمنع المهاجرين من تجاوز الحدود، بينما يتجاهلون في الوقت نفسه استقبال السلطات الإسبانية للعابرين ونقلهم إلى مراكز الاستقبال وفق الإجراءات المعمول بها. فإذا كان السؤال مشروعًا حول كيفية وصول هؤلاء إلى الحدود، فإن السؤال المشروع أيضًا هو: من المسؤول عن قبولهم بعد العبور؟ ولماذا يُوجَّه اللوم دائمًا إلى الضفة الجنوبية وحدها؟
إن الهجرة نحو البلدان الأكثر تقدمًا ليست استثناءً مغربيًا، بل هي قانون اقتصادي عالمي رافق البشرية عبر التاريخ. فما دامت الفوارق في التنمية قائمة، فالناس سينتقلون حيث توجد الفرص الأفضل. وهذا ما يحدث داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، حيث انتقل في عام 2024 وحده نحو مليون ونصف المليون مواطن من دولة عضو إلى دولة عضو أخرى، معظمهم من الدول الأقل دخلًا، مثل بلغاريا ورومانيا، نحو اقتصادات أكثر قوة، مثل ألمانيا وهولندا.
فكيف يُستغرب إذن أن يحاول بعض المغاربة الهجرة، والحدود البرية بين المغرب وسبتة المحتلة تُعد من أكثر الحدود تفاوتًا اقتصاديًا في العالم، إذ يفوق الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إسبانيا نظيره في المغرب بنحو ثمانية أضعاف؟ وإذا كانت الفوارق الاقتصادية قد دفعت أكثر من ثلاثة ملايين روماني إلى الإقامة والعمل في دول أوروبية أكثر ثراء، رغم أن متوسط الناتج المحلي الإجمالي للفرد في رومانيا يتجاوز عشرين ألف دولار، فكيف يُستغرب أن يسعى شباب بلد لا يتجاوز متوسط الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيه أربعة آلاف دولار إلى البحث عن أفق اقتصادي أفضل؟
والمغرب، رغم ما حققه من تقدم في الصناعة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية، يظل دولة محدودة الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية مقارنة بجيرانه الأوروبيين. ومن الطبيعي أن يطمح بعض مواطنيه إلى تحسين أوضاعهم، لكن يكفي المغرب فخرًا أنه لم يعد بلدًا للهجرة فقط، بل أصبح أيضًا بلدًا للاستقبال، إذ يعيش فيه أكثر من 250 ألف أجنبي، بينهم آلاف الأوروبيين الذين اختاروا الاستقرار أو العمل أو التقاعد في المملكة لما توفره من استقرار وجودة حياة. وهذا يؤكد أن المغرب، رغم محدودية موارده، أصبح هو الآخر وجهة للهجرة، وليس مجرد بلد عبور أو بلد تصدير للمهاجرين.
لكن المفارقة التي يتجنب كثير من الساسة والإعلاميين الأوروبيين الحديث عنها هي أن أوروبا لا ترفض الهجرة في حد ذاتها، بل ترفض نوعًا معينًا منها. فهي تستقبل بكل ترحيب آلاف الطلبة المغاربة المتميزين، وتفتح أبوابها للأطباء والمهندسين والباحثين الذين أنفق المغرب سنوات وأموالًا طائلة في تعليمهم وتكوينهم، ثم تستفيد من كفاءاتهم دون أن تتحمل سنتيمًا واحدًا من تكلفة إعدادهم. هي هجرة مرحب بها ما دامت تخدم الاقتصاد الأوروبي وتسد الخصاص في سوق الشغل، بينما يخسر المغرب جزءًا من نخبه في واحدة من أكبر موجات هجرة الأدمغة. أما حين يحاول الفقراء أو محدودو التأهيل العبور، فيتحول الخطاب فجأة إلى حديث عن الأمن، والأسلاك الشائكة، والخطر الديموغرافي، وضرورة تشديد الحدود.
يبدو أن بعض الأصوات الأوروبية تريد للمغرب دورًا واحدًا: أن يكون حارس أمن يقف على باب نادٍ خاص، يسمح بمرور من تحتاج إليهم أوروبا من أطباء ومهندسين وباحثين وطلبة نابغين، بينما يُطلب منه أن يحتفظ خارج الباب بكل من لا يحتاجه الاقتصاد الأوروبي. إنها تنظر إلى المغرب وكأنه خزان للموارد البشرية، تنتقي منه ما يخدم مصالحها، وتطالبه في الوقت نفسه بالاحتفاظ بمن لا ترغب في استقبالهم. تلك ليست شراكة متكافئة، بل انتقائية في التعامل مع الإنسان بحسب قيمته الاقتصادية.
إن المغرب شريك لأوروبا، وليس حارسًا لبواباتها. وإذا كانت أوروبا تريد فعلًا الحد من الهجرة غير النظامية، فعليها أن تعالج جذورها، وأن تواكب المغرب في تقليص الفوارق التنموية التي تدفع الشباب إلى الهجرة، وأن تعيد النظر في السياسات والخطابات التي قد تشجع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على خوض هذه المغامرة، وأن تتعامل مع المغرب بمنطق الشراكة المتوازنة وتقاسم المسؤولية، لا بمنطق تحميله وحده تبعات ظاهرة إنسانية واقتصادية يعيشها العالم بأسره، وتعرفها أوروبا نفسها بين دولها الأعضاء منذ عقود.