كشفت نتائج “المؤشر العربي 2025″، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عن معطيات جوهرية تعكس وعي الشارع المغربي والعربي بالرهانات الحالية. الاستطلاع الذي شمل 15 بلدا عربيا، أظهر تقاطعا بين التمسك بالثوابت القومية وبين تحديات الحداثة الرقمنة، وهو ما عززه المحلل السياسي والباحث عبد الحكيم قرمان في تصريح خص به THE PRESS.
فلسطين قضية مركزية ورفض قاطع للتطبيع
أكدت نتائج المؤشر أن القضية الفلسطينية لا تزال تشكل وجدان الرأي العام المغربي، حيث اعتبر 64% من المغاربة أنها قضية العرب جميعا. هذا الموقف ينسجم مع التوجه العام في المنطقة، إذ عبر 87% من العرب عن رفضهم الاعتراف بإسرائيل، مرجعين ذلك إلى سياساتها الاحتلالية والتوسعية.
وفي المقابل، يرى أغلبية المستطلعين (76%) أن شعوب المنطقة تشكل أمة واحدة، مما يعكس صمود فكرة “الانتماء المشترك” رغم التحديات الجيوسياسية.
فجوة الوعي الرقمي وتحدي الجيوش الإلكترونية
من أبرز مفاجآت الاستطلاع كان الجانب المتعلق بالفضاء الافتراضي، حيث تبين أن 76% من المواطنين غير مدركين لوجود “جيوش إلكترونية”.
وأوضح المحلل السياسي عبد الحكيم قرمان، أن هذا الرقم يكشف عن “فجوة إدراكية ومعرفية” بين الفاعل المؤسساتي والمتلقي المجتمعي.
وأضاف قرمان: “الدولة منخرطة بقوة في الدبلوماسية الرقمية، والمجتمع لا يزال يتعامل مع الفضاء الافتراضي كأداة للترفيه أكثر منه ساحة لصراع السرديات وحروب التأثير، مما يطرح تساؤلات حول نجاعة سياسات التوعية الرقمية”.
الهوية المغربية في مواجهة العولمة الأمريكية
وفيما يخص العلاقة مع القوى الدولية، أظهر المؤشر أن 43% من المغاربة يحملون موقفا سلبيا تجاه الولايات المتحدة لأسباب “ثقافية وقيمية”.
وخلال تحليله لهذا التوجه، أشار قرمان إلى أن المغاربة يفرقون بين “الانجذاب البراغماتي” لأمريكا كأرض للفرص وشريك استراتيجي، وبين “التحفظ القيمي” الذي يرفض الاستلاب النمطي.
وأكد أن “الإنسية المغربية” بطبعها كونية لكنها ترفض “نماذج التطرف في التحديث” التي تهدد النسيج الأسري والمجتمعي، مشددا على أن المغرب يمتلك ثوابت حضارية تجعله عصيا على “الاختراق الفج”، مضيفا أن الإنسان المغربي “بطبعه كوني الأفق، فهو لا يرفض الآخر في ذاته، بل يتعايش معه ويتبادل معه ثقافيا ويحاول استقبال ما يراه ذا نفع وقيمة مضافة”.
نزيف العقول وتحولات الهجرة التعليمية
توقف المؤشر عند رغبة ربع المواطنين العرب في الهجرة لأسباب اقتصادية بالأساس، حيث قال أنه “في المشرق، الهجرة غالبا ما تكون اضطرارية مرتبطة بالبقاء الفيزيائي في ظل النزاعات المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة”.
وبالمقارنة مع دول المشرق، يرى قرمان أن المغرب يشهد نوعا خاصا من “الهجرة التعليمية” التي تنطلق من منطق استثماري في الرأس المال البشري.
وحذر من تحول هذا المسار إلى “نزيف صامت” في حال غياب الآليات لاسترجاع الكفاءات، مؤكدا أن الرهان يكمن في ربط هؤلاء المهاجرين بمشاريع التنمية الوطنية لمنع الاغتراب الكلي عن الوطن الأم.
تباين الثقة في المؤسسات وتوق للديمقراطية
ختاما، سجل التقرير تباينا في ثقة العرب بمؤسساتهم، فبينما تحظى مؤسسات الجيش والأمن والقضاء بثقة مرتفعة، تظل الثقة في المجالس التشريعية والسلطات التنفيذية هي الأضعف.
ورغم ذلك، يظل التمسك بالخيار الديمقراطي ثابتا، حيث تؤيد 68% من الرأي العام العربي النظام الديمقراطي، مما يضع صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية لملاءمة المؤسسات مع تطلعات الشعوب في التنمية والكرامة.