أعادت التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها مختلف جهات المملكة الأمل في انفراج تدريجي للأزمة الفلاحية التي خلفها توالي سنوات الجفاف، كما فتحت في الوقت ذاته نقاشا واسعا حول إمكانية انعكاس هذا التحسن المناخي على أسعار المواد الغذائية التي ما تزال تشكل عبئا على القدرة الشرائية للمواطنين. غير أن هذا الربط المباشر بين وفرة الأمطار وتراجع الأسعار يظل تبسيطا لواقع أكثر تعقيدا، تحكمه توازنات متعددة تشمل منظومة الإنتاج، وسلاسل التوزيع، وسياسات التسويق والتصدير، بما يجعل العامل المناخي عنصرا مؤثرا لا محددا وحيدا لمسار الأسعار.
وفي هذا الصدد، يؤكد الأستاذ الباحث في الاقتصاد، عثمان الدخيسي، في تصريح خص به THE PRESS أن التساقطات المطرية الأخيرة، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة انخفاضا فوريا في الأسعار، لأن العلاقة بين الإنتاج الفلاحي والأسواق ليست علاقة خطية، بل تخضع لمنظومة معقدة من العوامل، من بينها اللوجستيك، التخزين، تنظيم الأسواق، وكلفة النقل”.
وأضاف الدخيسي، أن العامل المناخي، في بعض الحالات، يمكن أن يتحول إلى عنصر ضغط مؤقت على العرض، كما حدث خلال الأسابيع الأخيرة، حيث أدت صعوبات الجني والتوزيع إلى تراجع الكميات المعروضة وارتفاع الأسعار. مبرزا أن عامل التصدير يظل أحد المحددات الحاسمة للأسعار الداخلية. فخلال السنوات الأخيرة، شهد تصدير الخضر والفواكه الأساسية توسعا ملحوظا نحو أسواق متعددة، مستفيدا من تنافسية المنتوج المغربي. غير أن غياب آليات توازن واضحة بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الوطنية أدى، في فترات معينة، إلى استنزاف العرض المحلي، خاصة عندما يتزامن التصدير المكثف مع تراجع الإنتاج أو اضطرابه.
وختم الخبير الاقتصادي أن هذا الوضع يطرح إشكالية حقيقية مرتبطة بالأمن الغذائي، ويفرض إعادة التفكير في ترتيب الأولويات بين العائدات التصديرية واستقرار الأسعار داخليا، خاصة في الفترات التي تعرف توترا في العرض.